إن تملك القبائل للأمكنة، سواء أكانت من أهل المدر أم من أهل الوبر، يعني وجود أوطان قَبِليّة مستقلة داخل إطار المدى الجغرافي الواحد الذي تعيش فيه تلك القبائل، ويعني أيضاً شيوع الاستقرار السكاني في العصر الجاهلي؛ فالقرار في الحواضر الزراعية والتجارّية والسياسيةأمرٌ مسَلم به، ويضاف إلى ذلك شورع القبائل الرعَوِيّة في الاستقرار في البوادي، ويدلّ على استقرارها ما ذكر عن الأرحاء آنفاً، وما سنذكره عن دور الحفاظ.
ودار الحفاظ هي الدار التي يصبر اهلها على الإقامة فيها، ولا يَتَأتّي ذلك إلاّ للشرفاء والأقوياء، ولذلك كان الاقتدار على الإقامة فيها دليلاً على قدرة أصحابها على الذود عنها، ودليلاً على تعلّقهم بها، ولذا غدت دار الحفاظ مفخرة يعتد بها الجاهلي، كقول الحادرة(1):
وَنُقيمُ في دارِ الحِفاظِ بُيوتنا ... زَمَناً، وَيَظْعَنُ غَيْرُنا للأمرَعِ
إنّه يفخر بإقامة قومه في ديارهم، ويذمّ من يرتحل عن دياره طلبا للمرعَى. ولا يُشترط لدار الحفاظ أن تكون خصبة، فقد يحلّ الجدب فيها، فيصبر أهلها على الإقامة فيها لئلا يُغْلبوا عليها، ومِمّا يدلّ على ذلك قول عمرو بن شأس(2):
نقيم بدار الحزمِ ليس مُزيِلَنا ... مُقَاسَاتُنا فيها الشَّصائِصَ والأَزْلاَ
(1) ديوان شعر الحادرة ص53. وتعليقا على البيت المذكور يرى النويهي -محمد، بلا، الشعر الجاهلي: منهج في دراسته وتقويمه، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1/246 أن القبائل الرفيقة ((بدأت تعرف الصلة بارض الوطن، وإعزازها على الرغم ممّا يصيبها في أوقات الضنك)).
(2) شعر عمرو بن شأس ص46. والشصائص: الشدائد .والأزل: الضيق الحبس.