إنّ عمراً يفخر بأنَّ قومَهُ يتمسكون بدارهم على الرغم من قلّة مواردها وشحّها. وبمثل ذلك افتخر عمروبن كلثوم بإقامة قومه بذي أراطٍ(1). ويشبه ذلك قول كعب بن زهير مظهراً تعلقه بموطن إقامته، وكان مقيما في بني غطفان، وهم بُداة، على الرغم من قسوة مناخه، وندرة مياهه(2):
تَقُولُ ابْنَتى أَلْهَى أبي حُبُّ أرْضِهِ ... وأَعْجَبَهُ إلْفُ لها وَلُزُومُها
بَلَ الْهَى أباها أنهُ في عَصَابةٍ ... بِرَهْمَانَ أَمْسَى لا يُعَادُ سَقِيمُها
تَسَاقَوا بماءٍٍ من بلادٍ كأنهُ ... دِمَاءُ الأفاعي لا يُبِلُّ سَليمُها
ويظهر من الأشعار السابقة أنّ السابقة أنّ إقامة البداة في أمكانهم لم تكن فصيلة بل كانت مُطَوَّلة وقد افتخر خُراشة بن عمرو العَبْسي بطول إقامة قومه ف يدار الحفاظ(3). ولكن ذلك لا يعني أن البداة كانوا لا يرتحلون عن دور حفاظهم، بل كانوا يقيمون فهيا ما دامت الإقامة ممكنة، يقول أوس بن حجر(4):
أُقِيمُ بدارِ الحَزْمِ ما دامَ حَزْمُها ... وَأَحْرِِ إذا حالتْ بأن أَتَحَولا
ونستطيع مِمّا سبق أن نرى في ظاهرتي الأرحاء ودور الحفاظ مرحلة متوسطة بين القرار بالمكان والارتحال عنه ثم العودة إليه وهي مرحلة تميزت بها حياة البداة الجاهليين(5).
2- الانتساب إلى المكان:
(1) انظر ديوان عمرو بن كلثوم ص93.
(2) شرح ديوان كعب ص231-232. ورهمان: وادٍ في ديار غطفان. لا يُعاد سقيمها: لا ينجو.
(3) انظر شرح اختيارات المفضل 3/1633.
(4) ديوان أوس ص83. وقد مرّ بنا افتخار الحادرة بان قومه يقميون في دار الحفاظ زمناً، ولم يقل أبداً، فالشرفاء يصبرون على الإقامة في المكان، ولكنهم يرتحلون عنه حين تتعذ رالحياة فيه، فالبقاء في الأرض المجدبة انتحار إذا طال قحطها (انظر الشعر الجاهلي 1/247).
(5) افتخر امرؤ القيس، وقيل عمرو بن مَيْناس المرادي، بأن أهله((هم أهل قِبَاب وقُرى))أي أهل ارتحال وإقامة. انظر ديوان امرئ القيس ص293.