وحين نضيف المكان إلى الإنسان نحصل على لفظ يدلّ دلالة عميقة على صيرورة الحياة الإنسانية؛ فالمكان هو الموضع الذي يولد (يحدث ويخلق ويوجد) فيه الإنسان، وهو الموضع الذي (يستقرّ) فيه، وهو الموضع الذي يعيش، ويتطور (يصير) فيه،إذ ينتقل من حال إلى آخره وما ينطبق على تطور حياة الإنسان الفرد ينطبق على تطور حياة الجماعات والأمم؛ فالمكان العربي(الوطن العربي) هو الأرض التي شهدت ولادة الأمة العربية واستقرار أبنائها، وتطورهم بالجدل الإنسانيّ من حال إلى حال.
ولذلك ينبغي أن ندرس علاقة الجاهليين بالمكان لنعرف مقدار ارتباطهم به، وأثره في تعايشهم، وفي علاقتهم بالأمم المجاورة، كي نصل إلى بيان متسوى الوعي بانتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان اللازم لوجوده المتميز.
1- القرار بالمكان
1- أمكنة القبائل
شهد العصر الجاهلي مرحلة متطورة من العلاقة بين الإنسان الجاهليّ والمكان الذي يعيش عليه، وقد تمثل ذلك في اصطلاح الجاهليين علىوجود مدى طبيعيّ وجغرافيّ تمتلكه كلّ جماعة (قبيلة) من الجماعات الأبوية، سواء أكانت من أهل المدر، سكان القرى، أم من أهل الوبر، سكان البوادي. وكان المدى الذي تعيش فيه القبيلة يحقق لأبنائها أمناً معاشياً مناسباً لهم.
ولقد أبرز الجاهليّ في اشعاره ظاهرة اختصاص كلّ جماعة أبوية بمكان محدّد تنتمي إليه، ومن ذلك قول الأخنس بن شهاب التغلبي في اختصاص كلّ طائفة كبيرة من معدٍّ بناحية تأوي إليها، وتتحصن بها (1):
لِكُلِّ أُناسٍٍ منْ مَعَدٍّ، عِمَارةٍ ... عَرُوضُ، إليها يَلجَؤون، وجانِبُ
لُكَيْزٌ لها البَحْرانِِ والسِّيفُ كلُهُ ... وإنْ يأتِها بأسٌ من الهِندِ كارب
(1) شرح اختيارات المفضل 2/926-930. والعمارة: الحيّ العظيم يطيق الانفراد. والعَروض: الطريق في عُرْض الجبل، والأكمة الصعبة. ولكيز: بطن من عبد القيس من معَدّ .والسيف : ضَفة البحر. وحاجب: رجل من أهل اليمامة. وحبال :حبال الرمل.