وجاء في اللسان أن الفضل أراد بالخضرة: ((سمرة لونه... لأن العرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف ألوان العجم بالحمرة))(1). ولكن إدراك الجاهلي للتمايز بين ألوان العرب وألوان الأعاجم يخالف ذلك؛ فالسّواد ليس لون العرب بل لون الأحباش وأشباههم من الإفريقيين وهؤلاء أعاجم في عرف الجاهليين، وهذا يعني أن عرب الجاهلية لم يصفوا الأعاجم بالحمرة فقط بل بها وبالسواد أيضاً، وقد مَرّت بنا في (النسب المختلط) شواهد على إدارك الجاهلي لامتياز الأعاجم الذين يعرفهم باللونين المذكورين آنفا، وقد لخطنا شدّة تعصب الجاهلي عليها، ولا سيما على اللون الأسود. لقد كان السواد وصمة عار ينتفي الأحرار منها، ويُتَّهَمُ الأعداء بها(2)ولو كان السواد لون العرب لكان موطن فخر واعتزاز لاذم وهجاء. وقد أنف الجاهلي من الانتماء إلى ذوي البشرة الحمراء، لأنها توحي بابتعاد أصوله عن العرب الصرحاء، ولأنها أثر يرمز إلى العبودية والهجنة(3). ومثل ذلك حمرة الشعر، وزرقة العينين ولو كان صاحبهما ملكا كالنعمان بن المنذر (4)،وفيه يقول عامر بن جوين الطائي(5):
(1) اللسان: (خضر). وجاء في مادة (صهب) منه أن ألوان العرب((الأُدَمةَ والسُّمْرَة والسَّواد)).
(2) انظر بعض الأشعارا الدّالة على ذلك في ديوان سلامة ص225و شرح ديوان كعب ص24، وشرح ديوان عنترة ص 147. وقيل عن اللون الأسود في (النقائض ص322): ((هو عند العرب ذمُ)).
(3) انظر ديوان حسان ص205، وديوان الحطيئة ص311.
(4) يقال إن ملوك الحيرة، ومنهم النعمان من أصل أعجمي يرجع إلى أهل الموصل (انظر معجم الشعراء ص59، وسيرة ابن هشام 1م65).
(5) الأخفش الأصفر، 1984/، والاختيارين، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص119. وابن عمّار رجل طائي قتله النعمان بن المنذر. وانظر شرح ديوان الأعشى ص123.