وَقَد ثَوى نَصْفَ حَوْلٍٍ أشْهُراً جُدُداً ... ببابِ إفّانَ، يَبتارُ السَّلاليما
حتى تَنَاوَلَها، صَهباءَ، صافيةً ... يَرشُو التَجَارَ عليها، والتراجيما
لقد أقام هذا الخمّار مدة بباب إفان حتى فاز ببغيته، واستعان لبلوغها برشوة التجار وخدم الخمارين، وهم التراجيم. يقول التبريزي:((واحتاج (الخمار) إلى من يترجم عنه لأنّه كان يشتريه من المجوس ))(1)،فالعرب والأعاجم استعانوا بالترجمة لتيسير سبل التواصل والتعامل المشتركة، وهذا يعني انتشار الترجمة بانتشار مواطن التواصل بين العرب والأعاجم.
والأعاجم الذين اتصلوا مباشرة بالعرب كانوا تجاراً وخدماً وعبيدا وإماء، وممثلين لمصالح بلادهم في الجزيرة العربية (2)، وكان ذلك التصال المباشر إضافة إلى ارتياد بعض التجار مواطن بعيدة عن الجزيرة العربية من أسباب إدراك العرب بللتمايز اللغوي بينهم وبين الأعاجم، وإدراكهم أيضاً للتمايز الخَلْقِيّ، ومن ذلك التمايز باللون؛ فالسُّمرة، وهي منزلة بني البياض والسواد، ولون يضرب إلى سواد خَفِيّ(3)،هي لون العرب، وبها افتخر صرحاءهم كقول مسكين الدرامي (ت89هـ)(4):
أنا مسكين لمنْ يعرفني ... لَونيَ السُّمْرَةُ ألوانُ العربْ
وحين تشتد سمرة العربي تُسَمَّى خُضْرة(5) وبها افتخر الفضل بن العباس اللهبي(ت 95 هـ)، فقال (6):
وأنا الأخضرُ من يعرفني ... أخْضَرُ الجلدَةِمن بيت العَرَبْ
(1) المصدر السابقص 3/1680.
(2) أشير إلى بعض مظاهر الاتصال المباشر في الحديث السابق عن النسب اللصيق والمختلط. وانظر هبو- أحمد، 1980، تاريخ العرب قبل الإسلام، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، جامعة حلب، ص309-310.
(3) اللسان:(سمر).
(4) الأغاني 20/226.
(5) انظر المصدر السابق 16/182. والخضرة أقرب الألوان إلى لون الأحباش (انظر ديوان امرئ القيس ص80).
(6) المصدر السابق 16/182.