تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن وجود ظاهرة الإقراف ينفي مطلق رفض الصرحاء لها، ولقد تضمن خبر الأغاني المشار إليه آنفاً ما يدل على ذلك، فقد روي فيه ان المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشِروانَ جارية كان أصابها في عزوة له على الغساسنة، وكتب له بصفتها، ومنها أنها ((كريمة الخال، تقتصر على نسب أبيها دون فصيلتها، وتستغني بفصيلتها دون جماع قبيلتها))(1). وإهداء جارية عربية كريمة العم والخال إلى أنوشروان يدل على تسامح العرب في تزويج الصريحة بأعجمي إن كانت أسيرة. وربما تسامحوا في تزويج غير ذوات الشأن من أعاجم عاشوا بين الصرحاء لأسباب إنسانية مختلفة، ولكن خبراً ورد في شرح ديوان لبيد يدل على أن زواج الصريحة الحرة الكريمة من أعجمي أمر ممكن، بل هو مفخرة للصريح حين يكون الزوج الأعجمي ملكا مثل أبرهة الحبشي، فقد مدح لبيد رجلاً عربياً بقوله(2):

ونال من يكسومَ يوماً صَهْرا ... وَرْدُ إذا كان النواصي غُبْرا

وهذه المفخرة التي رفع لواءها لبيد هي مهانة رفض النعمان قيدها. فآراء الصرحاء حول زواج بناتهم من أعاجم لم تكن واحدة، فرفض تزويج الأعاجم لم يكن مطلقا، وأميل إلى أن هوان شأن الصريحة هو السبب الكامن وراء قبول مجتمع الصرحاء بزواجها من أعجميّ، وكان لذلك القبول أثر إيجابي على المقرفين فقد أُلحقوا بالقبائل، وإن لم يلحقوا بأنسابها، فقاتلوا إلى جانب الصرحاء، وهذا إقرار منهم بأهمية المقرفين، ولا يلغي تلك الأهمية أن الصرحاء كانوا يلقون على المقرفين تهمة الضعف والجبن في المعارك. ولقد أوحى الشعر الجاهلي بنظرة بعض الصرحاء الإيجابية إلى المقرفين كقول عمرو ابن زيد الكلبي (3):

(1) الأغاني 2/116.

(2) شرح ديوان لبيد ص335. وفيه((في موضع آخر من شعر لبيد (أبو يكسوم)ويعني به صاحب الفيل أبرهة. ورد

أحمر. وصفه مستأنفا بأنه مشرق الطلعة في القتال إذا اغبرت النواصي)).

(3) معجم الشعراء ص64.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٢٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٢٠٧