تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمقرفون هم الذين تهلكهم الحروب قبل غيرهم لضعفهم ووعجزهم عن دفع انقضاض الصرحاء عليهم، وفي مثل ذلك يقول أنُيف بن حكم النبهاني(1):

جَمعْنَا لَهُمْ مِنْ حَيِّ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ ... كتائبَ بُرْدِي المُقْرِفينَ نَكَالُهَا

وربّ قائل يدّعي أن المقرفين المذمومين آنفاً هم صرحاء نسباً، مقرفون(أنذال) خلقا، وينفي ذلك إمكان القول بأنهم أبناء عربيات من رجال أعاجم، ويرجح ذلك عندي قول المرزوقي في شرح البيت السابق((جمعنا لهؤلاء القوم جُيوشاً من خُلَّص العرب، تهلك عقوبتها الذين في نسبهم.... إقرافُ.... وذكر المقرفين، ولم يذكر الهجناء لأنهم وإنْ كانوا يأخذون مأخذهم في أنه لا يخلص نسبهم..))(2).

ومن الملاحظ أن تعصب الصرحاء على المقرفين أشدّ من تعصبهم علىالهجناء، فأخبار الجاهلية وأشعارها حافلة بأسماء الهجناء وانسابهم، ولكنها تخلو من أسماء المقرفين وأنسابهم، فنحن لا نعرف اسم مقرف، ولا اسم عربية تزوجت أعجمياً، ولا اسم أعجمي تزوج عربية عدا ابرهة الحبشي(3)، وكسرى أنو شروان(4). وهذا الإهمال الكامل لأسماء من لهم صلة بالإقراف يدل دلالة صريحة على شدّة تعصب الصرحاء ومحاربتهم للإقراف، فقد نجحوا في إسقاط أسماء أسر الإقراف من ذاكرة التاريخ، فغدا المقرفون بغير هوية، وبذلك يصعب تحديد ملامحهم، وتتبع أخبارهم.

كان العربي الصريح يرتضي أن يتزوج أعجمية، أو ان يعاشرها وأن تنجب منه، ولذلك فسح مجالاً لانتماء ابنه الهجين إليه، ولكن الصريح كان يأبى إباء شديداً أن تتزوج صريحة أعجمياً، ولو كان كسرى ملك فارس، فقد ذكر صاحب الأغاني خبراً عن إعراض النعمان بن المنذر عن تزويج كسرى من بناته أو قريباته، وهو خبر معروف ومشهور(5).

(1) شرح ديوان الحماسة 1/169. والنكال: العقاب.

(2) المصدر السابق ص2/169.

(3) انظر شرح ديوان لبيد ص335.

(4) انظر الأغاني 2/113-116.

(5) انظر المصدر السابق 2/113-117.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٢٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٢٠٦