فإنْ نُتِجَتْ مُهراً كريما فبالحرَى ... وإنْ يكُ إقرافُ فَمَنْ قَبِلِ الفَحْل
وكذلك المذَرّع في اللغة يعني من أمّة افضل من أبيه، وإن كان كلاهما من الصرحاء، ومن الشعر الدال على ذلك، قول العَدْل بن عمرو الطُّهوي(1):
إذا الباهِلِيُّ عندهُ حَنْظَلِيَّةُ ... له وَلَدُ منها فذاك المُذَرَّعُ
ولذلك يمكن أن ينعت الصريح- إن كانت أمّة أفضل من ابيه- بأنّه مقرف، وهو مذَرّع إذا نزع إلى أخلاق أبيه، وذلك من مظاهر تعظيم الأمومة الصريحة التي أشير إليها في الفصل السابق ومن دلائل احتقار الصرحاء للإقراف المراد ها هنا، وهو النسب المختلط من زواج عربية بأعجمي.
وثمة أشعار جاهلية تتصل بالإقراف، وفيها يظهر تعصب الصرحاء عليهم، فالصرحاء يأنفون من الإقراف، فتراهم يفخرون بنفيه عن أنفسهم، كقول سلامة بن جندل يفخر بقومه(2):
يجلو اَسِنتها فتيانُ عادِيَةٍ ... لا مُقْرِفينَ ولا سُودٍ، جَعَابيبِ
ويمدحون بمثل ذلك، كقول زهير في بني الصيداء(3):
في حَوْمَةٍ الموتِ، إذْ ثابتْ حلائُبُهمْ ... لا مُقْرِفينَ ولا غُزْلٍ ولا ميْلِ
والمقرفون هم الذين يفرون من المعارك، ويسلمون أبناء قبيلتهم إلى الموت. وهو أمر أثار حفيظة مالك بن حطان اليربوعي فقال قبل أن يفارق الحياة في أحدى المعارك(4):
يُسَاقُونَنَا كَأْساً من الموت مُرَّةً ... وعَرَّدَ عَنّا المُقْرِفونَ الحَنَاكِلُ
(1) معجم الشعراء ص171.وبنو حنظلة أعظم من باهلة.
(2) ديوان سلامة ص112. والعادية : الذين يحملون في الحرب. والجعابيب:الضعاف القصار الذين لا خير عندهم. وانظر العقد الفريد 5/206.
(3) شعرزهير ص94. وثابت: رجعت. وحلائبهم: جماعاتهم. والميل: جمع أميل، وهو الذي لا سيف معه.
(4) النقائص 1/23. وعرّد: والحناكل: القصار الأفعال. وانظر شعر عمرو بن شأس ص57.