تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الردّ يبرز حنكة المتلمس وذكاءه، فهو لا ينفي ضعة نسب أمّه، بل ينفي ان يكون الإنسان كريما إلا بأفعاله الكريمة، وبذلك يسقط أهمية النسب في كرم الإنسان، ويستبدل به الأفعال المحمودة. وقد لا يكون المتلمس مقتنعاً بكلّ ما ادعاه، لكن سبل الدفاع عن ذاته المنتمية إلى أمّ وضيعة كانت مغلقة إلا سبيل الدفاع عن نفسه بإعلاء شأن الأعمال على حساب الأنساب، فالنسب انتماء قسري لا يمكن الفكاك منه إن خيراً وإن شراً، وإنه قدر من الله تعالى، وفي ذلك يقول المتلمس(1):

وَهَلْ لِيَ أُمُّ غيرُها إنْ تَرَكْتُها؟ ... أَبَى اللهُ إلاّ أنْ أَكُونَ لها ابْنَهَا

إنها أصل قدره الله، فلا فكاك منه، فلماذا يحمل وزر أمر لا يَدَ لهُ في حدوثه؟‍!.

تلك أصوات لم تخجل من الهجنة، بل اعتدت - أحيانا- بها، وأبرزت أهمية الأعمال والأخلاق في تقويم الانسان. ولقد زخر المجتمع الجاهلي بآراء مختلفة حول الهجنة، فثمة آراء تتعصب عليها، وأخرى تتسامح معها، وتترك لها منافذ تمتدّ منها حبال التواصل بين الصرحاء والهجناء، وقد تقوى تلك الحبال فيندمج الهجين في مجتمع الصرحاء، وقد يكّون أبناء الهجين وأحفاده جماعة أبوية، لها ما للصرحاء، وعليها ما عليهم كبني زياد المذحجيين(2)، وبني لبينى الأسديين وبني سهم القرشيين (3)

(1) المصدر السابق ص30.

(2) انظر شعر عمرو بن معد يكرب ص48-49، وفيه ابيات في هجاء بني زياد، فأمهم أمة سوداء، اسمها كحيلة.

(3) انظر ديوان أوس ص21،وفيه بيتان في هجاء بني لبينى، ويه أمة، ولدت بعض بني أسد.

انظر ديوان حسان 96-97.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٢٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٢٠٣