لقد وصف نفسه بالهجنة ((وذلك مدح له وليس بذمّ، لأنَّ ولد الرجل من الغرائب كان قوياً))(1).وكان عنترة يدرك أهمية قوته، ويعرف نظرة الاحتقار التي يرميه بها بعض الصرحاء المتعصبين، ولذلك سعى إلى مجاراة الصرحاء بأفعاله، بل إلى التفوق عليهم ليغدو أشرف منهم، وأكثر فائدة لجماعته الأبوية منهم، وخير شعر عبرَ به عن ذلك قوله يعرّض بقيس بن زهير العَبْسِيّ (2) :
إنّي امرؤّ مِنْ خيرِ عَبْسٍ مَنْصباً ... شَطْرِي وأَحْمِي سائِرِي بالمُنْصَل
وإذا الكتيبةُ أَحْجَمَتْ وتلاحظَتْ ... أُلْفِيْتُ خيْراً منْ مُعَمٍّ مُخْوَلِ
إنه يُعلن ما يقال عن ضعة نسبه من جهة أمه، ولكنه أتبع ذلك بحديث عن أفعاله التي أثبتت أن نسبه الهجين أورثه قوة، جعلته يفعل ما يعجز عنه الصرحاء، فغدا أفضل منهم وأكثر نفعا لجماعته الأبوية من صرحائها المتعصبين ولذلك لا يستغرب المرء أن يسمع افتخار عنترة بأبيه وامّه معاً، كقوله يذكر فرسه(3):
يُقَدِّمُهُ فتىً من خير عبسٍ ... أبوهُ، وأُمُّهُ مِنْ خَيْرِ حَامِ
إنه يفخر بأمه الأمةِ غير مبالٍ بأقوال المعصبين. وتجربة عنترة مع المتعصبين على نسبه من جهة أمه تُذكّر بموقف مشابه للشاعر المتلمس الضبعي؛فقد عُيّر بأمّه فردّ ذلك بقوله(4):
يُعّيِّرني أُمّي رجالُ لا أرى ... أخا كَرمٍ إلاّ بأَنْ يَتَكَرَّما
ومن كانَ ذا عِرضٍ كريمٍ فلم يَصُنْ ... لَهُ حَسَباً كانَ اللئمَ المُذَمَّمَا
(1) انظر المصدر السابق ص193-194.
(2) المصدر السابق ص126-127.وانظر شرح ديوان الحماسة 1/169-170.
(3) شرح ديوان عنترة ص 145.
(4) ديوان شعر المتلمس ص14-16.