ويبدو أن خفاف قَدْ ردَّ على قول العباس السابق، وأنه افتخر عليه بانه يمتلك صفات خاصة تفوق صفات العباس، وأن تلك الصفات هي التي جعلته في موقع السيادة على الرغم من نسبه المظلم (الأسود) من جهة أمّه (1).
وسيادة الهجين تجاوزت اعتراف قبيلته بها إلى إقرار القبائل الأخرى وسادتها بصحة تلك السيادة، ومن الأخبار التي توحي بذلك أن خفاف بن ندبة كان نديما وصديقا لحُضَير الكتائب سيد الأوس وقائدها في آخر أيام حرب (بعاث)، وفيه قُتل، فرثاه خفاف في أبيات ومنها قوله(2):
أتاني حديثُ فكّذَّبْتُهُ ... وقيل: خليلكَُ في المْرمَسِ
فيا عينُ بَكّي خُضَيْرَ النَّدَى ... خَضَيْرَ الكتائِبِ والمجلسِ
ومن الأخبار الدالة على قبول الصرحاء من غير أهل الهجين بارتقاء منزلته أن حاجز بن عوف الأزدي كان حليفا لبني مخزوم القرشيين، وأنه افتخر بذلك فقال(3):
قَومي سَلامانُ إمّا كنتِ سائِلةً ... وفي قريشٍ كريمُ الحِلْفِ والحَسَبِ
إنّي مَتَى أَدْعُ مَخْزوماً تَرَى عُنُقاً ... لا يَرْعشُونَ لضربِ القوم من كَثبِ
يُدعى المعيرةُ في أولى عدِيدهِمُ ... أولادُ مَرْأسةٍ لَيْسْوا مِنَ الذَّنَبِ
وهكذا تتبين إرهاصات قبول الصرحاء باندماج الهجناء بهم، ولكنّ امتلاك بعض الهجناء لزمام القيادة في جماعته الأبوية يوحي بأنَّ اندماج الهجناء في مجتمع الصرحاء أضْحى أمراً مقبولاً من عدد غير القليل من الصرحاء، ولعلّ هذا القبول هو الذي شجّع بعض الهجناء على الحديث عن نسبهم المظلم حديثاً إيجابياً كقول عنترة، وقد خرج بلوائه منقضاً على بني ذبيان(4)
إنّي أنا عنترةُ الهجينْ
(1) انظر أخبار خفاف والعباس بن مرداس في الأغاني 18/82-98.
(2) الأغاني 17/132. وانظر شعر خفاف ص70-71.
(3) المصدر السابق 13/233. والعنق: الجماعة الكثيرة من الناس.
(4) شرح ديوان عنترة ص193.