الأبيات السابقة تُعلي شأن الهجين، وتبرز اعتقاد أهله بقوة انتمائه إليهم؛ فهو ابن عمهم، وليست منزلته بأدنى من منزلة أبناء عمومته الصرحاء الذين يطالبون بديته، وهو مطلب حقّ، ويتوعّدون أهل القاتل بالحرب إن لم يدفعوا إليهم دية ذهين.
لقد امتلك أكثر الهجناء الذين عرفناهم قبولاً اجتماعياً لدى الصرحاء، وأحسوا بالرعاية والحماية، فتوازنت ذواتهم، وامتلات نفوسهم بمشاعر الاعتزاز بالذات، وبالجماعة الأبوية الصريحة المنتمى إليها. ولنا في أشعار أولئك الهجناء شواهد كثيرة تدل على ذلك (1)ومنها أشعار طلعت علينا بثمرة مُتَمَيّزة أنتجها توازن شخصية الهجين في ظلّ قبول الجماعة الصريحة بانتمائه إليها، وقد تمثلت تلك الثمرة في تطلع الهجين إلى أن يَتَبَوَّأ مركزاص قيادياً في جماعته الأبوية، وعن ذلك عبّر عنترة في قوله(2):
ولَلْمَوتُ خيرُ للفَتى من حيَاتِهِ ... إذا لم يَثِبْ للأمرِ إلاّ بقائِدِ
وافتخر عنترة بأنه قاد خيل قومه إلى محاربة أعدائهم فقال(3):
وخيل قد زَحَفْتُ لها بِخَيْلٍ ... عَلَيْها الأُسْدُ تَهْتَصِرُ اهْتِصارا
وقال معبراً عن انقياد عبس له في الحروب(4)
ناديتُ عَبْساً فاستْجابوا بالقَنا ... وَبكُلّ أبيضَ صَارمٍ لم يَنْجَلِ
حَتّى استباحُوا آل عوفٍ عَنْوَةً ... بالْمشرَفِيِّ وبالوَشِيجِ الذُّبلِ
(1) انظر شرح ديوان عنترة ص30،34،45-47،69-71،74-75. وغير ذلك كثير .
(2) المصدر السابق ص57.ونسب البيت إلى المثقب العبدي(انظر ديوان شعر المثقبص 267).
(3) شرح ديوان عنترة ص71. والاهتصار: جذب الشيء ليكسر. وانظر مثل ذلك فيه ص 92
(4) المصدر السابق ص126. والأبيض: المصقول. ولم ينجل : لم يشحذ .والوشيح: الرماح، وأصل الوشيج منبت الرمح واصله، فَسُمّي الرمح وشيجا بذلك .والذّبل: جمع ذابل، وهو الذي جفّ، وفيه بعض الندوة.