لقد اقتدر الهجناء بتملّكم القيم الجاهلية المثلى على اجتياز الحواجز المانعة لاندماجهم بالجماعات الصريحة. وثمة أشعار تعبر عن قبول الصرحاء بذلك الاندماج، كقول عمرو بن معد يكرب في وصف السُّليْك بن السُّلْكَة(1):
فَرُعْتُ به كالليثِ يُلحظُ قائماً ... إذا ريْعَ منه جانِبُ بَعْدَ جانِبِ
له هامَةُ ما تَأكُلُ البيْضُ أُمّها ... وأشباحُ عادِيٍّ طويلِ الرواجبِ
وهذا الوصف فيه امتداح للسُّليك. فقد وصفه بأنه ليث، وبأنه عظيم الخلقة، وهذا تقدير لشجاعته ولقوة ساعده. وامتدح عديُّ بنُ زيد فارسَ العصا، فقال(2):
وَخبَّرَتِ العَصَا الأبناءَ عَنْهُ ... ولم أرَ مِثْل فارِسها هجينا
ومن أكبر الدلالات على قبول اندماج الهجين في مجتمع الصرحاء أن أصواتا ارتفعت، تطالب بأن تكون دِية الهجين المنتمي إليها مثل دية الصريح؛فقد روي أن هجينين راعيين اقتتلا، فقتل أحدهما- وهو عَنْقَش بن مُهَيْرَة-الآخر- وهو ذُهين بن زبراء -فأراد أصحاب ذهين أن يأخذوا من أبناء عمومتهم، أصحاب عنقش دية الصريح، وفي ذلك يقول رجل من أصحاب القتيل(3):
حُلُومَكُمُ يا قَوْمُ لا تُعْزِبُنها ... ولا تَقْطعُوا أَرْحامكمْ بالتدابُرِ
وأدُّوا إلى الأقوامِ عَقْلَ ابن عَمِّهمْ ... ولا تُرهِقُوهم سُبَّةً في العشائر
فإنَّ ابن زَبْراء الذي فادَ لم يكنْ ... بدون خُليْفٍ أوْ أُسَيْدِ بنِ جابرِ
فإن لم تُعَاطُوا الحقَّ فالسيفُ بيننا ... وبينكمُ والسَّيفُ أَجْوَرُ جائر
(1) شعر عمرو بن معد يكرب ص 51. ويلحظ :ينظر بمؤخر عينيه. والبيض: جمع بيضة، وهي الخوذة. وأشباح:أطلق الجمع وأراد الواحد، او اراد أنّ كلّ عضو منه شبحُ. وعاديّ: منسوب إلى قوم عاد. والرّواجب:مفاصل الأصابع.
(2) ديوان عدي ص182.والعصا:فرس جذيمة الأبرش. وفارسها: قصير بن سعد اللخمي.
(3) الأمالي1/73. ولا تُعْزِبُنها: لا تُذْهِبننها. وفاد :مات.