ويُستخلص مما سبق ان المرأة الهجينة كانت تحظى بالاحترام أحياناً، فتنتسب إلى جماعة صريحة، هي جماعة والدها، وتتزوج زواج بعولة، وتتخلق بالمثل الأعلى للمرأة الصريحة، إذ تكون حَصَاناً، فَتُفتح أمامها منافذ الاندماج في مجتمع الصرحاء فتحظى بزوج صريح(1)،وأبناء ينتسبون إلى والد صريح، وجماعة صريحة تمنحهم الأمن والرعاية. ولعظمة أمر حصانة الأم فقد قِيلَ عن الهجين: إنّه ((ابن الأمة الراعية ما لم تُحصن، فإذا حُصِّنَتْ فليس الولد بهجين))(2)،وهذا القول يوحي بأنّ مجتمع الصرحاء قد افسح المجال للمرأة غير الصريحة كي ترقى بَخُلُقها إلى مصاف الصريحات، فتتزوج، وتنجب أبناء يندمجون في مجتمع الصرحاء، ويتخلقون بخلقهم(3).
إن إيحاء الأخبار بارتقاء منزلة أم الهجين بِخُلقها تعضده أشعار كثيرة تظهر حرص الرجل الهجين على التخلق بخُلق الصرحاء، فهو يعلن انتماءه إلى جماعة أبيه الصريحة، ويحارب معهم، ويسمح لنفسه أن يتحدث باسمهم، ومن الشعر الدال على ذلك قول حاجز بن عوف الأزدي، وهو من أغربة العرب، يصف حرباً(4):
فقالوا يالَ عَبْسٍ نازِعُوهُمْ ... سِجَالَ الموتِ بالأسَلِ الحِرَارِ
فقلنا يالَ يَرْفَى ما صِعُوهُمْ ... فرارُ اليومِ فاضحةُ الذّمَارِ
(1) روي أن أبا سفيان بن حرب تزوج امرأة فارسية ثم طلّقها، فتتبعتها نفسه لجمالها وأنوثتها وله في ذلك شعر (انظر عيون الأخبار4/101).
(2) اللسان: (هجن).
(3) نعت شهاب اليربوعي في شعر له (ديوان امرىء القيس ص211)نساء كنديات بأنهن سوداوات. وقد ظل ارتقاء الهجناء إلى منزلة الصرحاء مدفوعا بتعنت الصرحاء المتعصبين، ومن أولئك الهجناء المتلمس الضبعي؛فقد طعن في نسبه، وانتقصت أمه(انظر ديوان المتلمس ص29و95)كما عرفنا بعض ذلك التعنت في صفحات سابقة.
(4) قصائد جاهلية نادرة ص77. وسجال الموت: المسابقة فيه. وما صعوهم: أضربوهم بالسيوف.