لقد عرفنا كثرة نعت الهجناء بالعبودية، وهو نعت يوحي برسوخ فكرة استرقاق الهجناء في عقول الجاهليين، وبأن ذلك الاسترقاق واقع متحقق ومنتشر في المجتمع الجاهلي، وثمة شعر يدل على أن العرب كانت تسترق الهجين، وهو قول عمارة بن الوليد لعمرو بن العاص-وكان عمرو هجيناً(1):
كَمْ مثلِ أُمّكَ قد وَهبتُ فلمْ ... مِنها أُثبْ سَهْماً ولا زَنْدَا
حُبْلَى فإنْ تُؤنِثْ تكنْ أَمَةٍ ... لكعاءَ أو تُذْكِرْ يكنْ عَبْدَا
ولكن لماذا لم نعرف من المسترقين الهجناء سوى عنترة والشنفرى؟ولماذا أغفلت أخبار غيرهم من الهجناء المسترقين؟ إن اقتدار عنترة والشنفرى على تجاوز الواقع المادي للاسترقاق بالقوة هو سبب وصول أخبارهما إلينا؛لقد انتزعا اعتراف المجتمع بالوجود الإنساني الحر المتميز لكل منهما، وأمّا الآخرون فقد تطامنوا للعبودية، فانتظموا في سلك العبيد وافتقدوا هويتهم، وأضحوا في عرف المجتمع شيئاً آخر، لقد أصبحوا عبيداً وأبناء عبيد، ولنا عودة إليهم في موطن آخر من هذه الدراسة.
(1) معجم الشعراء ص77.والسَّهم: قِدْح الممَيْسِر، والعود الذي يُرْمَى به بعد تسويته، والمزَّند: العود الذي تُقْدَح به النَّار.