تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا شك أن تعصب الصرحاء، وهم الأغلبية السكانية في المجتمع الجاهلي، على الهجنة- جعل انتماء أصحابها النسبي ملاذا واهيا، لا يمنحهم الأمن ولا الرعاية، بل يشعرهم بالقلق والخوف (1).ولكن تعايش الصرحاء إلى جانب الهجناء يعني وجود الجدل الإنساني بين الفريقين، وهو جدل كفيل بإيجاد منافذ للتواصل والتقارب بينهما، فكيف كان ذلك؟

***

3- اندماج الهجناء بالصرحاء

ثَمّة خبران يلخصان الجدل المشار إليه آنفاً، الأول أورده صاحب الأغاني، وفيه ((كانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمةٍ استعبدوه))(2)، والثاني أورده صاحب المحبّر، فقد ذكر ضمن جريدة أبناء الحبشيات أسماء عشرات الرجال، وهم سادة أحرار عدا عنترة العبسي الذي اسْتُرِقَ في صغره (3). وجريدة (المحبّر) لا تنفي خبر (الأغاني)، ولكنه تدلّ على خصوصيته إذ تنفي سريانه على الهجناء كافة، كما تدل على أن أكثر الصرحاء لم يستعبدوا أبناءَهم من الحبشيات، بل كانوا يلحقونهم بأنسابهم، فنحن لا نعرف من أسماء الهجناء الذين استرقوا سوى عنترة والشنفرى، الأول استرَقَّه أهله، والثاني استرقه بالإسار ثم بالشراء غير أهله. وهذه معرفة يسيرة لا تكفي لإنارة الزوايا المظلمة لاسترقاق الهجناء، بل تدفع إلى القول بأن استرقاق الهجناء كان أمراً نادر الحدوث في الجاهلية، ولكن ندرة أسماء الهجناء لا تنفي انتشار ظاهرة استرقاقهم، فكيف كان ذلك؟

(1) ثَمّة مظاهر أخرى تؤكد ذلك، منها أن العرب في الجاهلية كانت لا تورث الهجين(انظر العقد الفريد 6/229)وأنّ الهجين يخطب إلى هجين فيزوجه هجينة مثله. انظر المحبر ص310.

(2) الأغاني 8/246.,انظر شرح ديوان عنترة ص 72.

(3) انظر المحبر ص306-308. ومن أولئك الأحرار الخطاب بن نفيل، ونفيل بن عبد العزى العدويان، وعمرو بن العاص السهمي، وعثمان بن الحويرث الأسدي، وصفوان بن أمية الجمحي، وخفاف بن عُمير السُّلمي، والمتلمّس الضبعي.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ١٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ١٨٩