لقد مر بنا اعتقاد الصرحاء بأن آباءهم وأمهاتهم يُوَرِّثونهم أمجادهم وقيمهم، وأُشير إلى أهمية الجانب التربوي في فهمهم لتوريث القيم؛ ولأنّ أغلب الهجناء أبناء إماء، ولأن الأمة محتقرة تفتقر إلى المثل الاجتماعية اعتقد الصرحاء أن الهجين يرث من أمّه اللؤم والنذالة، وقد ألحّ حسان بن ثابت على إبراز ذلك في هجائه بعض الهجناء القرشيين كقوله لأحدهم(1):
واللّؤْمُ منكَ وِراثةُ مَعْلومَةُ ... هيهاتَ منكَ مكارمُ الانسابِ
وتناولت سهام أم الهجين، فنعتتها بالفجور، ووصلت تلك السهام إلى والد الهجين فنعتته بالنذالة لأنه عاشر مومسة، فأولدها نذلاً مثله(2).
وقد عانى أبناء الهجناء وأحفادهم من تعصب الصرحاء، فكان الخلاف بين اولاء وأولئك يستدعي نبش الماضي، وإبراز ثغرة الهجنة، بصفتها وصمة عار في سلسلة نسب أولئك الأبناء والأحفاد.
وقد عُرف حسان بن ثابت بأنه تتبع أنساب بعض المشركين القرشيين فوقف على مواطن الهجنة فيها، فأبرزه ليغيظ المشركين، ومن ذلك قوله يهجو الحارث بن هشام المخزومي(3):
لو كنتَ ضَنْءَ كَرِيْمةٍ أَبْليْتَها ... حُسْنَى، ولكنْ ضَنْءَ بِنْتِ عُقَابِ
(1) ديوان حسان ص176.
(2) انظر المصدر السابق ص157و174و260-262و343-344، وديوان عامر ص87-88. واشتهر الحطيئة، وهو ابن أمة، بأنه قضى شطراً من عمره يبحث عن سبنه الأبوي، فهجا لذلك أمّه وأباه (انظر ديوان الحطئية ص100-102و264-265و331-332و334).
(3) ديوان حسان ص331.