وافتخر زهير بنقاء نسبه، فهو صريح لم تلده أمهُ، ولم يُحتمل "في حِجْر سوداءَ "(1)، وافتخر تميم بن أبيّ بن مقبل بانتمائه إلى قوم ليسوا سوداً هجاناً، ولا ضعافاً(2)، إن النسب الصريح مفخرة، والهجين منقصة، وتَعَصُّبُ الصرحاء لنسبهم على النسب الخلاسي يتعدَّى الناحية الخَلْقِية إلى الخُلُقِيّة، فالصريح جدير بامتلاك قيم مجتمعه العليا، والهجين يضعف عن امتلاكها، فابن الأمة في شعر أبي ذؤيب الهذلي يعجز عن مقارعة الأبطال، والصريح يُطيح بهم(3)،والهجين ليس بذي دين ولا بذي أمانةٍ(4).
ونظرة الصرحاء المتعصبة على الهجنة جرّدت الهجناء من القيم الخيرة وألصقت بهم نقيضها، بل نفتهم من دائرة الأحرار، وزجتهم في دائرة الاسترقاق والعبودية، وإن لم يستعبدهم ذووهم ؛ فالعصبية جعلت الصريح لا يرى في الهجين إلاّ عبداً، ولو كان حرّاً (5)فحسان بن ثابت يهجو قوماً فيرى أنهم((مهاجنةٌ إذا نُسبوا عبيدٌ))(6)، ونعت الأعشى ابن أمةٍ، من قومه بأنه عبدُ، وذلك في قوله يعاتب أبناء عمومته إذ سمحوا لذلك الهجين- وهو الشعار جُهُنام- بهجاء الأعشى (7):
يالقيس لما لَقِينا العَامَا ... أَلِعَبْدٍ أَعْراضُنَا أَمْ عَلىَ مَا
لِمْ أَمَرْ تُمْ عَبْداً لِيَهْجُوَ قَوْماً ... ظالِمِيِهمْ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ كِرَامَا
وأَنِفَ لبيدُ بن ربيعة العامري أن يجيب شاعراً عامرياً، لانّ حدته أمةُ(8).
(1) شعر زهير ص217.
(2) انظر ديوان ابن مقبل ص177.
(3) انظر شرح أشعار الهذليين 1/151.
(4) ديوان حسان ص111.
(5) انظر فخر حصين بن ضمضم على عنترة في (شرح ديوان عنترة ص74).
(6) ديوان حسان ص380.
(7) شرح ديوان الأعشى ص329.
(8) انظر الأغاني 6/312. وانظر لنعت الهجين بالعبودية ديوان حسان ص261-262و343، وشرح ديوان عنترة ص74، وديوان النابغة ص129.