إن تأرجح اللصيق بين الرفض والقبول جعله قلقاً في مجتمعه، ولكن اقتدار اللصيق على التعايش في ظلال الجماعة التي التصق بها كان أمراً ممكناً. ولا شك أن مجموعات لصيقة كثيرة غدت بجدلها الإنساني الإيجابي مع الجماعات الملتصق بها جزءاً من تلك الجماعات. وأميل إلى الاعتقاد أن امتلاك اللصقاء للقوة المادية والمعنوية هو السبب الكامن وراء قبول الصرحاء باندماج اللصقاء بهم؛ فضعف اللصقاء كان العامل الرئيسي في دخولهم دائرة النسب اللصيق، وفي نظرة الاحتقار من الصرحاء إليهم، وفي ثورة بعض اللصقاء على تلك النظرة. وامتلاك اللصقاء للقوة يجعلهم في موقع تتوازن فيه ذواتهم، فيعلنون انتماءهم إلى الجماعة التي التصقوا بها، وهم غير متهيّبين من احتمالات الرفض؛ فالقوة التي امتكلوها تمنحهم وثيقة انتماء لا تقبل الإلغاء، وفي أشعار آل مرة بن عوف بن لؤي الملصقين بغطفان ما يدل على ذلك، ومنها قول الحصين بن الحمام المري في بعض الصراعات القبلية الغطفانية الداخلية يتهكم على بني ذبيان(1):
وقلتُ لَهُمْ: يا آلَ ذُبيان ما لَكُمْ ... تَفَاقدْتُمُ، لم تَذْهَبُوا اليومَ مَذْهَبا
تَدَاعَى إلى شرِّ الفَعالِ سَراتُها ... فأصبحَ مَوْضُوعُ بذلك مُلْتَبا
وقد رد عليه عامر المحاربي بأبيات نسب فيها الحصين إلي بني ذبيان ولم ينفه عنهم، وذلك في قوله يذكر فريقي ذبيان المتحاربين، ومنهما قوم الحصين(2):
(1) شرح اختيارات المفضل 3/1347-1348.والملتب: الملبوس عليه، كأنه من دون الرؤساء من التبع يقلدهم ويأخذ مأخذهم .وروى المفضل للحصين قصيدة أخرى تهكم فيها بني ذبيان وغيرهم وتوعّدهم (1/322-347).
(2) المصدر السابق 3/1349-1350. ومآلك: من الألوك، وهي الرسالة. وتختم :لبس العمامة، كناية عن التكبر. والصاب: شجر مرّ له لبن إذا قطر في العين حَلَبها، وكذلك الشُبْرُم. والمعنى: أُذلوا. وأسعطوا صاباً: أُدْخِل في أنوفهم.