فإلى من ينتسب خارجة بن سنان المرّي؟ أهو مزنّي الأصل أم قرشي؟ أكثر الأخبار تؤكد أن بني مرة يرجعون إلى قريش، فَلِمَ نسب النابغة خارجة إلى مزينة؟ أعتقد أن تنافساً كان يحدث داخل بني ذبيان الغطفانيين على السيادة وعلى الزعامة الشعرية فيها، وأن الطعن في الأنساب كان احد الأسلحة التي استخدمت في ذلك التنافس، ويؤكد ذلك أن يزيد بن سنان ساب النابغة، وقال له: والله ما أنت من قيس، ولا أنت إلا من قضاعة، فأقرّ النابغة بذلك، وقال ليزيد بن سنان(1):
عَيَّرْتني النسبَ الكريمَ وإنّما ... ظفَرُ المفاخِرِ أنْ يُعَدَّ كريما
وأميل إلى الاعتقاد بأن الصلة الوثيقة بين آل سنان بن أبي حارثة وزهير بن ابي سلمى المزني كانت لا تروق للنابغة، وأنه كان يحسد زهيراً، وهذا ما جعله يلصق نسب خارجة بن سنان بمزينة، ولا يرجعه إلى أصله القرشي أملاً بالوقيعة بين زهير وآل سنان إن نالوا من مزينة، ونفوا نسبهم إليها.
لقد كان السنب الإلصاقي من الوسائل المتاحة لإنسان المجتمع الجاهلي كي يخترق حدود جماعته الأبوية الصريحة المعلقة، فيخرجُ أو يُخرجُ من قبيلة ليدخُلَ أو يُدخلَ في أخرى، وكذلك كان النسب الإلصاقي من الوسائل المتاحة لتواصل العرب مع الأمم المجاورة؛ فقد ألصق بعض الأعاجم بجماعات أبوية صريحة. ولكن عملية الإلصاق النسبي كانت تجابه بتعصب بعض الصرحاء لنقاوة نسبهم من الأخاليط، وكان بعض اللصقاء يأبون نظرة الاحتقار التي يرى فيها الصرحاء المتعصبون اللصقاء المستضعفين، واتخذ إباء بعض اللصقاء مظهراً عنيفاً فانتقموا من الجماعة التي ألصقتهم بها.
(1) المعاني الكبير 1/524. ويزيد بن سنان : شقيق خارجة. وللخير والشعر تتمة في ديوان النابغة ص178-179.