تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الإجابة عن التساؤل السابق تستدعي الإقرار بأهمية الجدل الإنساني بين اللصقاء والملصق بهم، فذلك الجدل هو الكفيل بتحقيق الالتحام بحيث يغدو أحفاد اللصيق أبناء ينتمون إلى الجماعة الأبوية التي التصق جدّهم بها انتماء حقيقياً في عرف المجتمع الذي يعيشون فيه، وربما استطاع بعض اولئك الأحفاد أن يستكمل مقومات السيادة الأخرى، فيغدو سيداً من سادات الجماعة الأبوية التي التصق جده بها، ولكن ذاكرة بعض أبناء الجماعة الأبوية قد تكون أكثر من غيرها قدرة على استقصاء الأصول النسبية لجماعتها، فتنبش حين تغضب عن المستور، وتظهر حقيقة نسب من تغضب عليه.

ومن أبرز الأدلة على ان اللصقاء يمكن أن يصبحوا سادة قول ابن اسحاق عن بنْي مرة بن عوف بن لؤي الذين التصق نسبهم بني سعد بن ذبيان الغطفانيين:((وكان القوم اشرافاً في غطفان، هم سادتهم وقادتهم، منهم هرم بن سنان بن أبي حارثة، وخارجة بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف، والحصين بن الحمام، وهاشم بن حرملة))(1)فهؤلاء لصقاء أضْحَوا سادةً، والناس يعرفون أمر التصاقهم. فأحر بمن نُسي أمر التصاقه أو جهله الكثيرون أن يَتبوّأ مثلهم منزلة رفيعة بين الصرحاء الملتصق بهم. ومن الأشعار الدالة على أن أولئك السادة المريين كانوا ملصقين بغطفان قول الحارث بن ظالم المرّي، وكان طريداً، يطلبه النعمان بن المنذر، ولا يقدر قومه على حمايته(2):

فما قومي بثَعْلبَةَ بن سَعْدٍ ... ولا بفَزارَةَ الشُّعْرِ الرِّقابا

وقَوْمِي إنْ سألتِ بنُو لُؤيٍّ ... بمكَّةَ عَلمُوا مُضَرَ الضِّرابا

سَفِهْنا باتباعِ بني بَغيضٍ ... وتَرْكِ الأقربين لنا انتسابا

فما غَطَفانُ لي بأبٍ ولكنْ ... لُؤَيٌّ والدِي قَوْلاً صَوابا

إنه ينفي انتسابه إلى غطفان، ويعلن الحقيقة النسبية لقومه بني مُرّة.

(1) سيرة ابن هشام 1/93.

(2) شرح اختيارات المفضل 3/1335-1338.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ١٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ١٧٥