تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا شبيه بقول الطفيل الغنّوي يفخر بقومه: ((وليس لنا حيٌّ نضاف إليهم))(1).

إن مجتمع الصرحاء يحتقرالنسب اللصيق، ويدمع أصحابه بالنذالة والجبن والضعف، ويكاد يساويهم بالعبيد في قول الأعشى يهجو رهطاً من قبيلته(2):

إنَّ بِني قَمِيئةَ بْنِ سَعْدِ

كُلُّهُمُ لِمُلْصَقٍ وعَبْدِ

ويمكن إرجاع احتقار الصرحاء للملصقين إلى حالة الضعف التي ألجأت الملصق إلى ترك نسبه والالتصاق بغيره، فمجتمع الصرحاء الجاهلي تسوده النسبية المحميّة بسواعد الصرحاء الأقوياء، فهو مجتمع قوة وعنجهية، يُحترم فيه الأقوياء، ويُحتقر فيه الضعفاء.

ولذلك عانى اللصقاء، وأحسّوا بالقلق في ظل انتمائهم الجديد، وقد عبّ‍رت الخنساء عن مشاعر الملصق القلقة في قولها تصف حالتها في قومها بعد مقتل أخيها صخر(3):

تركتني وسطَ بني عَلَّلةٍ ... كأنَّني بَعدَكَ فيهمْ نقيلْ

وإلى جانب ذلك لقي اللصيق رفضاً ونبذاً من بعض المتعصبين لنقاء نسبهم الأبويّ وخلوه من الغرباء، ومن أولئك المتعصبين عمرو بن كلثوم التغلبي؛ فقد خاطب عمرو الهذيلَ بن هبيرة، وكان يتنقل بانتسابه بين القبائل، بقوله(4):

هَلَكْتَ وأَهْلَكْتَ العَشيرَةَ كُلَّها ... فَنَهْدُكَ نَهْدُ لا أرى لك أرقمَا

وفي البيت دعوة إلى عودة الهذيل إلى نسبه الأبوي الحقيقي، إلى بني نهد بن زيد القضاعيين، ودعوة إلى ترك الانتساب إلى الأراقم التغلبيين، وقد استنكر ابن كلثوم في موضع آخر على الهذيل أن ينتقل بنسبه من قوم إلى آخرين، وذلك في قوله(5):

أَنَهْديّاً إذا ما جئتَ نَهْداً ... وتُدْعى بالجزيرة مِنْ نِزارِ

(1) ديوان الطفيل ص113.

(2) شرح ديوان الأعشى ص128-129.

(3) ديوان الخنساءص 234. وبني عَلّة: أولاد السراري لابس واحد وأمهاتٍ شتى.

(4) ديوان عمرو بن كلثوم ص70.

(5) المصدر السابق 106. ونسب البيت إلى بشر بن سَوَادة التغلبي.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ١٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ١٧١