ويستطيع المستقصي أن يقف على ألفاظ أخرى تدل على ظاهرة النسب اللصيق(6)، ولعله سيجد فيها معنى الضعف والذلة الذي توحي به أصول الألفاظ التي أشرنا إليها آنفاً. فهل كان الانتماء النسبي الملصق مهينا لأصحابه؟ ولماذا؟
***
2- مهانة اللّصقاء وتَمَرّدهم
تكثر الإشارات في الشعر الجاهلي إلى مهانة اللصيق؛ فقد افتخر الصرحاء بصحة انتماءاتهم النسبية الصريحة، ونفوا عن ذواتهم الالتصاق بغير نسبهم الأبوي الحقيقي، فها هو ذا حاتم الطائي يعلن انتماءه إلى قومه بني ثُعَل، وينفي ميله إلى الالتصاق بغيرهم في قوله(1):
بَنُو ثُعَلٍ قَوْمِي فما أنا مَدَّعٍ ... سِواهُمْ إلى قَوْمٍ وما أنا مُسْنَدُ
وافتخر راشد بن شهاب اليشكري بأن قومه ليسوا أُشابة (أخلاطاً من الناس) وأنهم لا نقص في أخلاقهم ولا غدر في طباعهم(2)، وكأنه بذلك يريد أن يقول: إن الأخلاط في أخلاقهم نقص وفي طباعهم غدر. وافتخر عثمان بن الحويرث الأسدي بنسبه الصريح فهو مقابل الأعمام، وألصق بمهجوه(الوليد بن المعيرة) تهمة الإلصاق النسبي، وأضاف إليها صفات اخرى مهينة، وذلك في قول عثمان(3):
وإني امرؤٌ من جذْمِ كَعْبٍ مقابلُ ... وأنتَ ضعيفُ الجدَّ ألْصَفُ مُلْصَقُ
من القومِ نَذْلُ ليس يعلمُ علمَهُ ... من الناس إلا العالم المتَعَمِّقُ
وامتدح الأعشى النعمان بن المنذر أنه يكيد أعداءه كيد صريح لا ملصق، وذلك في قوله:
تَعَمْرُ الذي حَجّت قريش قطينة ... يغمر في الأمور ولا مُضَافِ
ومدح بشر بن ابي خازم أوسَ بن حارثة، فنفى عنه أن يكون غمراً في الأمور أو مضافا (مسندا إلى غير آبائه )فقال (4):
وما أُوْسُ بْنُ حَارِثَةَ بْنٍ لأمٍٍ ... بِغُمْرٍ في الأمُورِ ولا مُضَافِ
(1) انظر اللسان: (وغل).
(2) انظر شرح اختيارات المفضل 3/1326.
(3) معجم الشعراء ص88. وألصفُ: من لَصَف لونه: برق وتلألأ.
(4) ديوان بشر ص150. الغمر: الذي لم يجرب الأمور