ألا مَنْ مُبْلِغُ جَزْءَ بنَ سَعْدٍ ... فكيف اصاتَ بعدكمُ النقيلُ
أُحامِي عَنْ ذِمارِ بني أَبيكُمْ ... وَمِثْلي في غَوائِبِكُمْ قَليلُ
ومن الظاهر أن الإنسان الجاهل تنازعته مشاعر الارتباط بقبيلته والانفصال عنها حين يغادرها مكرهاً أو مختاراً، ولكن ذوي العصبة القوية كانوا يحرصون على الاحتفاظ بأنسابهم، ولا يرضون استبدال نسبٍ بنسب آخر، ولذلك احتفظ الشعراء : ابن قميئة وابن العبد وابن الحارث بأنسابهم، ولم يدفعهم التنقل إلى الالتصاق بغيرها(1).
وأمّا الارتحال الجماعي فكان يحدث أحياناً لوقوع خلاف بين بطون القبيلة الواحدة، فيرتحل بعض أبنائها حقناً للدماء، وينزلون في قبيلة أخرى، فيؤدي ذلك أحياناً إلى التصاق نسب المرتحلين بنسب المرتحل إليهم. وثمة إشارات كثيرة في أخبار الجاهلية وأشعارها إلى الارتحال الجماعي، كارتحال بجيلة وتفرقها في بطون بني عامر(2)، وتحدث بشر بن أبي خازم الأسديّ عن ارتحال بعض القبائل ومنهم بنو هاربة الذين تحوّلوا إلى الشام بسبب حرب بينهم وبين قومهم غطفان، فنزلوا في بني ثعلبة بن سعد، فبادت هاربة إلاّ بقية يسيرة(3)وذكر لبيد بن ربيعة تفرق بطون بني عامر وارتحال بعضها إلى اليمن، ثم عودة تلك البطون إلى الائتلاف حين أدرك بعضُ المرتحلين خطورة الارتحال والتفرق(4)، وقد اشار خداش بن زهير العامري إلى جانب من تلك الخطورة إذ تحدث عن ميل بني كعب العامريين إلى الدخول في نسب بني يحابر المذحجيين، وذلك في قوله(5):
(1) للمتلمس الضبعي أشعار تظهر تمسكه بنسبه، ورفضه الالتصاق بأخواله بني يشكر. انظر ديوان شعر المتلمس ص19-39،99.
(2) انظر الأغاني 11/143-144
(3) انظر ديوان بشر ص71-72.
(4) انظر ديوان لبيد ص279-280
أشعار الجاهليين ص29 ولنا عودة إلى بعض مظاهر الارتحال المفضي أحياناً إلى الالتصاق بنسب المرتل إليهم. وذلك في ثنايا الفصل الثالث من هذه الرسالة.