فالزوجة الأخيذة مكللة بعار الأسر والقهر، ولذلك كانت معاملة الزوج الحسنة لأخيذته لا تردعها عن ترقب الفرصة المناسبة للخلاص منه. وقد يتولد الحب بين الزوج وأخيذته، ولكن القيم الاجتماعية التي تزدري الأخيذة تدفعها إلى الاستهانة باسرتها الزواجية وإلى العودة رحاب نسبها الأبوي . وللنمر بن تولب تجربة إنسانية عميقة في هذا المجال؛ فقد سبى أخوهُ جَمْرَةَ بنت نوفل الأسدية، فوهبها للنمر، ففركته فحبسها حتى استقرت وولدت له أولاداً، ثم استزارته أهلها، وواثقته لترجعنّ إليه، فلما أطل بها على حيّ قومها تركته واقفاً، وانصرفت إلى منزل بعلها، ولم ترجع إليه، وقد ذكر النمر ذلك في اشعار كثيرة(1)، تبيّن حبه لها، وتعلّقه بها، كما تبيّن أنها تركته غير كارهة له، بل تركته امتثالاً لقيم اجتماعية تحتم عليها ألا تظل في كنف آسرها، ومن شعره الذي يبين حيرة جمرة، وقد تركته(2)
وصدّتْ كأنَّ الشمسَ تحتَ قِناعِها ... بدا حاجِبٌ منها، وضَنتْ بحاجبِ
فغضب النمر من جمرة لا يخفي تعلُّقه بها؛ فهي كالشمس، وعودتها إلى أهلها وبعلها الأول لا تنفي ميلها إليه، فهي تريه بعض جمالها لأنها توده، وتخفي عنه بعض جمالها لأنها أقدمت على مفارقته.
وزواج الصريح الأخيذة الصريحة يمنحها حقوق زوجة البعولة عدا حق الحرية في مفارقة زوجها، فهي مكرمة منعمة، تختلط بنساء قبيلة زوجها وآسرها، وكأنها واحدة منهن، ونسبت إلى حاتم الطائي أبيات واضحة الدلالة على ذلك منها قوله(3):
وما أنكَحُونا طائِعين بناتِهمْ ... ولكنْ خَطَبْناها بأسيافنا قَسْرا
فما زادَهَا فِينا السِّباءُ مَذَّلةً ... ولا كُلِّفَتْ خبْزاً ولا طبختْ قَدْرا
ولكنْ خَلَطنَاهَا بخير نِسائِنا ... فجاءَتْ بِهِمْ بيضاً وَجَوهمُ زُهْرا
(1) انظر شعر النمر ص38و55و59- 60و79و81-83-110-111.
(2) المصدر السابق ص38.
(3) ديوان شعر حاتم ص 283.