وصور الأعشى تعلق البنات بالآباء حين يزمعون الرحيل، فها هي ذي ابنته تنظر إليه، وقد أزفت لحظة ارتحاله، فتدعو ربها أن يحفظ والدها من الأوجاع والآلام، وكانت قد بذلت جهدها لتمنع أباها عن الارتحال، ولكن مطالب الحياة كانت أقوى من العواطف، فارتحل الأب، وهو يدعو لابنته بمثل ما دعت له، ويوصيها بأن تستخبر عنه، وتنتظر إيابه، وبألا تفقد الأمل بعودته، وذلك في قوله(1):
تقول بنتي وقد قَرَّبْتُ مُرْتَحَلا ... يا ربِّ جَنِّبْ أبي الأوصابَ والوجَعَا
و استَشْفَعَتْ من سَرَاةِ الحيِّ ذا شرفٍ ... فقد عَصَاها أبوها والذي شَفَعا
مهلاً بُنَيَّ فإن المرء يبعثُهُ ... همٌّ إذا خالط الحيزومَ والضِّلعا
عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي ... يوما فإن لجنبِ المرءِ مُضْطجَعا
واستخبري قافِلَ الرُّكبانِ واْنتَظِري ... أوْبَ المسافرِ إن رَيْثاً وإن سَرَعَا
كوني كمثل التي إن غاب وافِدُها ... أهدَتْ له من بعيدٍ نظرةً جَزِعا
ولا تكوني كَمنْ لا يرتجي أوَباً ... لِذي اغترابٍ ولا يَرْجُو له رجعَا
(1) شرح ديوان الأعشى ص 199-200. الحيزوم : الصدر.