تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الآباء يشعرون بالاغتراب لفقدان الأبناء ومنهم زهير بن أبي سُلمى الذي رثى ابنه سالماً، فأظهر افتقاده لأيام الهناء التي كان ينعم فيها بصحبة ابنه (1) وذكر ( القالي) أن سبعة أخوة هلكوا معاً في الجاهلية، فرثاهم والدهم ، وهو رجل من ضبّة، بأبيات منها قوله:(2):

أحينَ رَماني بالثمانين مَنْكبٌ ... من الدَّهرِ مُنحٍ في فؤادي بأسْهُمِ

رُزئْتُ بأعضادي الذين بأَيْدِهِمْ ... أَنُوءُ وَأَحْمِي حَوْزَتَيَّ وأَحْتَمِي

فإنْ لم تذُبْ نفسي عليهم صَبَابةٌ ... فَسَوْفَ أشُوبُ دَمْعها بعدُ بالدَّمِ

فالأب مسؤول عن حماية أبنائه، وهم مسؤولون عن رعايته وحمايته حين يشتد عودهم ويذري عوده، ولذلك كان الرجل العقيم يفتقد الأبناء حين يضعف ، فهم مرتكز عَصَبَةِ الرجل في المجتمع الأبويّ. ومن الأخبار المؤثرة أن فارس بني عامر أبا براء، عامر بن مالك، ملاعب الأسنة، ضعّفه بنو أخيه لما أسنّ وخرّفوه ولم يكن له ولد يحميه، فأنشأ يقول:(3)

دَفعتُكُمُ عَنّي، وما دَفْع راحةٍ ... بِشيَءٍ إذا لم تَسْتَعنْ بالأناملِ

يَضعِّغُني حِلْمي وكثرةُ جَهْلِكُمْ ... عَلَيَّ وأنّي لا أصُولُ بجاهِلِ

وكان الأبناء يرتبطون بآبائهم برباط وثيق، ولقد وقفنا على ذلك في أثناء الحديث عن ( أبوة الصرحاء) وكان عجز الأبناء عن القيام بالواجبات تجاه آبائهم مؤلماً لهم،وباعثاً على تأنيب الذات، ومن المواقف الدالة على ذلك أنّ ورقاء بن زهير العبسي لم يستطع استنقاذ والده من سيف خالد بن جعفر العامري، فقال ورقاء(4)

رأيتُ زهيراً تحت كَلْكَلِ خالدٍ ... فأقبلتُ أسعى كالعجول أُبَادِرُ

إلى بَطَلَينِ يَنْهَضانِ كلاهما ... يُريدان نَصْلَ السيفِ نادرُ

فَشُلّتْ يميني يوم أضرِبُ خالداً ... ويَمْنَعُهُ مِنّي الحديدُ المثظاهرُ

(1) انظر الأبيات في شعر زهير صفحة 267.

(2) الأمالي 1/61

(3) العقد الفريد 2/441. وانظر أشعار العامريين الجاهليينص69.

(4) العقد الفريد 5/137.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ١٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ١٥١