تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونستيطع مما سبق أن نذهب باطمئنان إلى القول بامتلاك الأسرة الزواجية الصريحة المقومات اللازمة لبناء الإنسان القادر على مواجهة الحياة بقوة؛ فهي أسرة تراعي فيها حرية الاختيار في إبرام عقد الزواج، وفيها يتحمل الزوج مسؤولية حماية زوجته ورعايتها، وتتحمل الزوجة مسؤولية رعاية الزوج، وتربية الأبناء، مع الحفاظ على كلّ ما يصون شرفها، ويضمن صحة انتساب أبنائها إلى بعلها، فيتربي الأبناء في ظلال أسرتهم تربية يكتسبون بها قيم مجتمعهم، ومنها قيم ترابط الأسرة وتضامن أفرادها في مواجهة الأخطار التي تهددها أو تهدّد أيّ فرد منها.

والأشعار التي تدل على ترابط الأسرة الزواجية كثيرة ومتنوعة، ومنها أن يعتد الأب بأبنائه، فيفرح بهم لامتلاكهم المناقب الحميدة، ويهتم بأمورهم كقول ذي الإصبع العدواني يصف ابنه بالقوة والكياسة والكرم، ويتساءل أغيبته لنفع أهله أم لشيء آخر(1):

وما إنْ أسيدُ أبو مالكٍ ... بوَاهٍ ولا بضَعيفٍ قُوَاهُ

ولا بألدَّله نازعُ ... يُغاري أَخاهُ إذا ما نَهاهُ

ولكنهُ هَيِّنُ لينٌ ... كعاليةِ الرمحِ عَرْدُ نَسَاهُ

ولكّنه غيرُ فْحِلافةٍ ... كريم الطبائع حُلوٌ ثَناه

إذا سُسْتَهُ سُسْتَ مِطْواعةً ... وَمَهْمَا وَكلتَ إليه كفاهُ

ألا منْ يُنادي أبا مالكٍ ... أفي أمْرِنا أَمْرُهُ أم سِوَاهُ

أبو مالكٍ قاصرُ فَقْرَهُ ... على نَفْسِهِ وَمُشيعُ غِنَاهُ

وكان الأب يشعر بمسؤوليته عن مناصرة وحمايته، وقد يعجز الأب عن ذلك، فتفيض نفسه بالحسرة والألم، وقد عبر عن مثل هذا الموقف عتيبة بن الحارث بأبيات حين فرّ عن ابنه حَزْورة (2):

(1) ديوان ذي الإصبع ص102-103. وألدّ : شديد الخصومة . ويغاري: يتمادى في غضبه. وعَرْد: صلب شديد . ونسب الشعر إلى مالك بن عويمر الهذلي في رثاء والده ( انظر شرح أشعار الهذليين 3/1276-1277).

(2) انظر الأبيات في العقد الفريد1/150. ويشبه ذلك رثاء فهر بن مالك لحفيده قيس بن غالب بن فهر(انظر معجم الشعراء ص191).

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ١٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ١٥٠