والخيال في الخبر السابق واضح، ولكنه لا ينفي إمكانية أن تقول الأم ذلك الشعر في نومها، غير واعية، وفي أن تنسبه إلى ذلك الآتي الذي تراءى لها في منامها، فتحدثت بلسانه عما يجيش في صدرها من احلام تتعلق بطفلها. واختصاص الأمهات بالأشعار الخاصة بتربية الأطفال يويح بتحمّلهن مسؤولية تربيتهم(1)، ولكنه لا ينفي مشاركة الرجال لهن، وكذلك توحي تلك الأشعار باهتمام الأسرة بالأبناء الذكور دون الإناث ولم أقف في الشعر الجاهلي على ما يظهر اهتمام الرجال بتربية الأطفال غيرقول أمية بن أبي الصلت يعاتب ابنه:(2):
غَذوتُكَ مولوداً وعُلتُكَ يافعاً ... تُعَلُّ بما أدنى عليك وتنهلُ
إذا ليلةُ نابَتْكَ بالشكوِ لم أبتْ ... لِشَكْواكَ إلا ساهراً أتَمَلْمَلُ
كأني انا المطروقُ دونكَ بالذي ... طًرقْتَ به دُوني وعينيَ تُهمُلُ
تخاف الرَّدَى نَفسي عليكَ وأنها ... لتعلم أن الموت حَتْمٌ مؤجلُ
وكذلك أشعار للزبير بن عبد المطلب في ولد أخيه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وفي أخويه،العباس وضرار ابني عبد المطلب(3)ولم أقف في شعر الجاهليين على ما يظهر الاهتمام بتربية الإناث غير قول الزبير بن عبد المطلب وقد دخلت عليه ابنته أم الحكم(4):
يا حَبّذا أُمَّ الحّكّمْ ... كأنها رِيْمُ أَحَمّْ
يا بَعْلها ماذا يّشَمّْ ... ساهَمَ فيها فَسَهَمْ
(1) من الجدير بالذكر أن هجر الر جل لزوجه لا يمنعها من تربية ابنها . انظر أبياتاً في ذلك لساعدة بن جؤية الهذلي في شرح أشعار لهذليين 3/1158،1177 -1181.
(2) أمية بن أبي الصلت، بلا، ديوان أمية بن أبي الصلت، جمع وتحقيق ودراسة الدكتور عبد الحفيظ السطلي، مكتبة أطلس، دمشق ص430-431. وانظر الأبيات في الأغاني 4/137.
(3) انظر الأمالي2/115. ,اشعار الزبير تدل على اهتمام الصرحاء يأخوتهم الصغار، وبأبنائهم.
(4) المصدر السابق 2/116. والأهمّ: الأسود من كل شيء. وقيل: الأبيض.