لقد اقرّ زهير أنه قد اهتم لفراق زوجه، وأن زوجه لم تهتم لفراقه، وعدم مبالاة أم أوفى ربما لا يكون حقيقة، وربما اصابها الهم والأسى للطلاق، ولكنها كتمت مشاعرها أنفة، وامتثالاً لقيم اجتماعية ضاغطة، تخظر على المرأة تعبّر عن مشاعرها تجاه الرجل، الزوج، ويؤكد صحة ذلك أني لم أجد في مصادري شعر امرأة ذكرت فيه معاناتها من الطلاق. ويقابل ذلك وفرة في أشعار الأزواج الذين أظهروا مشاعرهم تجاه مطلقاتهم(1).
لقد تبين لنا مظاهر العلاقة الزواجية الصريحة التي أبرزها الشعراء الجاهليون، ولكن الاسرة الزواجية غينية بعلاقات إنسانية أخرى ينتجها جدل الأفراد المنتمين إلى تلك الأسرة، ولقد وقفنا على جوانب كثيرة منها في حديثنا عن أبوة الصرحاء وأمومتهم، وسوف ألمّ الآن بجوانب أخرى خاصة بالأبناء المنتمين إلى الأسرة الزواجية محاولاً بذلك استكمال تصوير الشعر الجاهلي لتلك الأسرة.
***
4- إنجاب الأبناء ورعايتهم:
إن لزواج البعولة غاية رئيسة محددة، هي المحافظة على استمرار الوجود الإنساني بالإنجاب .
ولما كان مجتمع الصرحاء مفعماً بالصراعات فقد حرصوا على إنجاب الأبناء الأقوياء، وعلى تنشئتهم تنشئة تكسبهم القوة الجسدية والنفسية التي يستطيعون بها مواجهة الأعداء، وتحدي الطبيعة القاسية. ومن أجل ذلك كان البعل يختار ذات الحسب والنسب ليقترن بها لاعتقاده بقدرتها على توريث القوة الجسدية لأبنائها، وعلى تربيتهم تربية يتمثلون بها قيم مجتمعهم، ويتلو اختيار الزوجة اخيتار الوقت المناسب للحمل، فقد اعتقد الجاهليون أن الزوجة إذا حملت وهي فزعة، ومكرهة على طرق بعلها إياها، فجاءت بغلام- فإنهاتلد غلاماً لا يطاق، ومن جيد الشعر الدال على ذلك قول أبي كبير الهذلي يصف
(1) انظر بعض تلك الأشعار في عيون الأخبار 4/131. وشعر عمرو بن شأس ص82-83، وشعر النمر ص99.