تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الطامة الكبرى أن يقتتل أهل الزوج وأهل الزوجة، فتقع بينهما الدماء، وتفعم القلوب بالإحن. ومن أكثر أخبار الجاهليين مأساوية خبر جليلة بنت مُرّة البكرية، فقد قَتَل أخوها جساسُ زوجها كليبَ بن وائل التغلي، فأبعدت نساءُ تغلب جليلةَ عن مأتم زوجها لأنها أخت القاتل، فلحقت بأهلها، وسجلت عمق معاناتها بقصيدة تفيض بالألم والحسرة، ومنها قولها(1)

يا قيتلا قَوّضَ الدّهرُ به ... سَقْفَ بيَتيَّ جميعاً منْ عَلِ

هَدَم البيتَ الذي استحدثتُهُ ... وانثنى في هدمِ بيتي الأولِ

إنَّني قاتِلةٌ مقتولةُ ... ولَعَلَّ الله أنْ يرتاحَ لي

إنها تنعى بيتها المحدث (أسرتها الزواجية) وبيتها الأول (نسبها الأبوي) فهي قاتلة مقتولة، تفوض أمرها إلى الله، وترجوه أن يريحها من عنائها وشقائها.

وقد يتصادم الانتماء إلى الأسرة الزواجية بالانتماء إلى الأمومة، فيتطامن الانتماء المحدث أمام الانتماء القديم، ولصخر بن الشريد السُّلمي بيت يكثف فيه تجربة خاصة، وهو قوله:(2)

فَأَيُّ امرئٍ سَاوَى بأُمٍّ حَلِيلةً ... فلا عاشَ إلا في أّذىً وَهَوانِ

ومن أخبار التصادم بين الانتماءين المذكورين أن حسان بن ثابت تزوج امرأة من الأوس، وكانا متحابين، فأسر الأوسيون رجلاً من أخوال حسان، فتكلم في أمره بكلام أغضب زوجه، فعيرته بأخواله، وفخرت عليه بالأوس، وكان حسان يحب أخواله، ويغضب لهم، فطلقها، ومن شعره في ذلك قوله (3):

سأَلتْ حَسّانَ مَنْ أَخْوَالُه ... إنّما يُسألُ بالشيءِ الغُمُر

(1) الأغاني5/68-69.: ومن الجدير بالذكر أن اعتداد كليب بنفسه أمام زوجه، واعتداهما بنسبها الأبوي أمامه كان من أسباب حقد كليب على جساس وأنه حاول إذلاله، فقتله جساس لذلك (انظر الخبر مفصلاً في المصدر السابق 5/41وما بعدها).

(2) عيون الأخبار 4/119. وانظر الأصمعيات ص146.

(3) ديوان حسان ص192. والغُمْر: من لم يجرب الأمور. الدُبُر: الظَّهْر.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ١٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ١٤٤