ولا أريد أن أشير هنا إلى امتلاك البعل حق طلاق زوجه، فهو أمر مسَلم به في المجتمعات الأبوية، ولكني أودّ أن أشير إلى امتلاك الزوجة حق فسخ عقد زواجها وقد مرت بنا شواهد كثيرة تدل على ذلك، وثمة أمر جدير بالاشارة إليه هنا، وهو موقف زوج العباس من مرداس السلمي منه حين أسلم، فقد تركته، وقوضت بيتها، وارتحلت إلى قومها، وقالت تُؤنبه(1):
ألْم يضنهَ عباسَ بن مِرداسَ أنَّني ... رأيتُ الوَرَى مَخْصُوصَةً بالفجائعِ
لَعَمْري لئنْ تابعتَ دينَ محمدٍ ... وفارقتَ إخوانَ الصَّفا والصَّنائعِ
لَبدَّلتَ تلك النَّفْسَ ذُلاٍّ بِعزَّةٍ ... غداةَ اختلافِ المُرءهفاتِ القواطع
وامتلاك المرأة الحق في فسخ عقد زواجها في مجتمع الصرحاء الأبوي والجاهلي يدل دلالة ظاهرة على توازن العلاقة بين البعل وزوجه،وعلى امتلاك المرأة الصريحة حريتها وإنسانيتها في ظل انتمائها إلى اسرتها الزواجية، فالعلاقة الزواجية عقد بين رجل وامرأة يستمر بالاتفاق بينهما، وينتهي برغبة أحدهما أو كليهما بفسخه. ولقد أبانت الأشعار المستشهد بها أن الطلاق أمر مُنكَرُ، لا يُقْدِم عليه إلا من اقتنع بتعذر استمراره وهذا يعني أنّ الطلاق لم يكن شائعاُ، ولكنه حلُّ لمشكلات إنسانية تقع بين زوجين لاختلاف الأمزجة الحاجات والمفاهيم الخاصة بالرابطة الزواجية.
(1) الأغاني 14/298-299.