والأبيات السابقة تنص على أن الطلاق خطب جليل، ولكن حدوثه أمر يقع باختيار أي طرفٍ من الزوجين مادام التوافق متعذراً بينهما؛ فهو يسرف للمحافظة على مجد أسرته الأبوية، وهي تدعوه إلى الإقتار للحفاظ على اقتصاد اسرتها الزوجية. وبمثل ذلك خاطب لبيد زوجه فدعاها إلى ترك اللجاج في لومه على إنفاق المال أو إلى الطلاق، فهي ترضى بأن يُثَمّر زوجها المال، وهو يأبى إلا أن يكون كريما يسدّ خَلّة من يلوذ به من أبناء عمّه(1)
إن خوف بعض الزوجات من إنفاق مسرف يوصل إلى الفقر دفعهن إلى طلب الطلاق فثمة زوجات لم يستطعن الصبر على فقر أزواجهن، فطلبن الطلا ق، ومنهن زوجتا نبيه بن الحجاج السهمي، فقد سألتاه الطلاق، فقال(2):
تلكَ عِرْسايَ تَنطِقانِ بهُجْرِ ... وتقولانِ قولَ زُورٍ وَهِتْرِ
تَسْألاني الطَّلاق أن رأتاني ... قلَّ مالي. قد جئتماني بِنُكْرِ
ومن الملاحظ أن نُبيهاً يرى أن الطلاق أمر قبيح وتلك إدانة واضحة لحلٍّ لا يرغب فيه، ولا يملك دفعه.
وكان من أبرز أسباب الطلاق أن تنشز المرأة بزوجها. والمرأة النشاز على زوجها هي التي ((ارتفعت عليه، واستعصت عليه وأبغضته، وخرجت عن طاعته، وفركته))(3). وكان النشوز سببا كافيا للطلاق؛ فالنشوز يقوض شرطا رئيسا لبناء الأسرة، وهو ولاية الرجل على زوجه. ومن أسباب النشوز أن ثمة رجالاً كانوا عاجزين عن إرضاء زوجاتهم لِعُنّة أو ما يشبهها، ومِمّن اشتهر بذلك امرؤ القيس، والأضبط بن قريع الميمي، وكان إذا شهد حَربا، تقدم ثم قال(4):
أنا الذي تَفْرُكُهُ حلائِلُهْ ... ألا فَتى مُعَشَّقُ أُنازِلُهْ
(1) انظر شرح ديوان لبيد ص70.
(2) الأغاني17/283. والهجر : القبيح من الكلام. والهتر كذلك . والهتر كذلك . والنُكْر: الأمر الشديد الذي تكرهه النفوس.
(3) اللسان: (نشز).
(4) الأغاني 18/133.