وهذه الابيات تصور باختصار خلافا بين زوجين يشبه ما يجري في مجتمع بلغ درجة عالية من التحضر والرقيّ، فالزوجة تعي قيمتها الإنسانية، فهي تدرك حقوقها وواجباتها، إنها ترفض استقبال زوجها لاعتقادها أنه سيزورها ليعيبها ويهجرها بعد ذلك، وهي تسوغ استخدام ذلك الحق بقيامها بواجباتها الأسرية، فهي منجبة عفيفة، ولدت فرسانا أشرافا، ولم توطئ فراش زوجها غيره(1)
وفي مقابل ذلك يبرز موقف زهير الحكيم من زوجه، فهو لا يغضب من امتناعها وإدلالها عليه، بل نراه يدعوها إلى الإقامة في بيتها مكرمة، وهي دعوة فيها ترغيب وتحبيب . ويعلي شأن رقي تلك الدعوة أن زهيراً ترك لزوجه حرية البقاء في بيتها مكرمة أو الرحيل عنه. ولكن الخلافات بين الأزواج لم تكن لتُحَلَّ على هذا المنوال المتحضر دائماً، فالخلافات بين الزوجين كانت توصل أحياناً إلى طرق تنتهي بالطلاق، ومن تلك الخلافات تناقض موقف الزوجين من إنفاق الأسرة، ولقد اشرت إلى عزل الزوجة لبعلها على إسرافه في الإنفاق، وأنّ تقبّل الزوج لذلك يُعَدّ من مظاهر إعزاز الزوجة وإكرامها. ولكن لجاج بعض النساء في اللوم، وإصرار الرجال على الإسراف كانا طريقاً معبدة توصل إلى الطلاق، ومن الشعر الدال على ذلك قول المرقش الأصغر (2):
آذَنَتْ جَارَتِي بِوَشْكِ رَحيلِ ... باكِراً، جاهَرَتْ بِخَطْبٍ جَليلِ
أزْمَعَتْ بالفِراقِ لَمّا رَأَتني ... أُتْلِفُ المالَ، لا يُذَمُّ دَخِيلي
أِرْبَعِي إنَّ ما يَرِيبُكِ مني ... إرْثُ مَجْدٍ وَجِدُّ لُبٍّ أصيلِ
(1) انظر شرح الأعلم للبتين الأخيرين في شعر زهير ص172.
(2) شرح اختيارات المفضل 2/1116. واربعي : كفي . وجِدّكت أصيل: حقيقة عقل أصيل.