وثمة رجال أفصحوا عن عظيم تقديرهم لأهل الزوجة، ومهم زبّان بن سيّار الذي تمنى أن يصبح ولده منظور شبيهاً بجده لأمه، قِهْطِم بنت هاشم، يقول زبّان لابنه:(1)
وإنّي لأرجو أنْ تكونَ كهاشمٍ ... وإنّي لأرجو أنّ تسودَ بني بَدْرَ
ولعل أبرز مظاهر إعزاز الرجال للزوجات يتجلى في حمياتهن والحفاظ على طهارتهن، ومن أولئك الرجال ربيعة بن مكدّم الفِراسي، وله في ذلك أخبار، ومنها أن دريد بن الصمة الجشمي خرج في فوارس من قومه يريد الغارة على بني كنانة، فالتقوا بربيعة ومعه ظعينة، هي زوجه ريطة بنت جذل الطعان، فلحق به بني جشم، فصرعه ربيع ثم لحق به آخر، وآخر، فصرعهما على التوالي، وقد قال ربيعة للظعينة حين لحق به الأول:
سِيري على رِسْلك سير الآمنِ ... سير ردَاحٍ ذات جأشٍ ساكنٍ(2)
إنّ انثنائي دون قِرني شائني ... وبالي بلائي واخبُرِي وعايني
ثم قال ربيعة حين صرع الفارس الثاني:
خَلِّ سبيلَ الحرةِ المنيعه ... إنَّكَ لاقٍ دونها رَبيعَهْ
في كفه خطِّيةُ مُطِيعه ... او لا فخذها طعنهً سريعه
فالطعن منّي في الوغَى شريعه
ثم قال حين لحق به الفارس الثالث:
ماذا تريد من شتيمٍ عابسِ ... ألم تر الفارسَ بعد الفارسِ
أرْداهما عاملُ رُمْحٍ يابسِ؟
وحين لحق دريد بربيعة رآه لا رمح معه، فانثنى عنه قائلاً : أيها الفارس إنّ مثلك لا يُقتلْ
ورجع دريد إلى أصحابه فثبطهم عن ربيعة، ثم أثنى على ربيعة بأبيان منها قوله(3):
ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ بمْلِهِ ... حامي الظعينةِ فارساً لم يُقتلِ
يُزجي ظَعينتهُ وَيَسْحَبُ رُمْحَهُ ... مِثْلَ البُغاثِ خشِيْنَ وَقْعَ الأجدْلِ
وترى الفوارس من مخافةِ رُمْحِهِ ... متوجَهاً بِمُناهُ نحو المنزلِ
(1) الأغاني 12-226
(2) رداح: امرأة عجزاء ثقيلة الأوراك، تامة الخلق.
(3) انظر الخبر والأشعار المذكورة فيه في الأغاني 16/73-74. وانظر شعردريد في ديوانه ص95.