ولم تكتف بعض النساء بحرية الاختيار بل أضافت إليها الاشتراط على الخاطب قبل إتمام الزواج، فقد اشترطت امرأة من قوم عمارة بن الوليد المخزومي عليه حين خطبها أن يترك الزنا والشرّاب، فقبل ذلك، وتزوجها، ثم مكث حيناً لا يشرب الخمر، ثم شربها، فلامته، فلم يغضب، ولم ينكر لومها، بل حاول أن يُسوّغ إقدامه على الشراب بقوله(1):
ولسنا بِشَرْبٍ أمَّ عمرو إذا انتشوّا ... ثيابُ الندَّامى عندهم كالغَنَائِمِ
ولكننا يا أمَّ عَمْروٍ نديمُنا ... بمنزلةِ الرّيانِ ليس بعائمِ
أَسَرَّكِ لمّا صرّع القومَ نشوةٌ ... أنَ اخْرُجَ منها سالماً غير غارِمِ
خَلِيّاً كأنّي لم أكن كُنتُ فيهمُ ... وليس الخِداعُ مرتضىً في التّنادُمِ
لقد عرف الصرحاء زواج البعولة القائم على الخطبة والمهر والعقد وفق أعرافهم الجاهلية.
وبذلك وُجدت الأسرةُ الزواجية الصريحة، وكان من الطبيعي أن يظهر في الأسرة شعور انتمائي متمتيز يضاف إلى انتماءات الزوجين السابقة على الزواج، فما حقيقة ذلك الانتماء الأسريّ؟ ومامدى التغيرات الحاصلة في انتماء كلّ من الزوجين؟
***
2- ولاية البعل:
إن بناء الأسرة الزواجية الصريحة يوجب انتقال الزوج إلى كنف بعلها التي تنتسب إليه الأسرة المحدثة، وبذلك يغدو البعل ولي أمر الزوجة، وقد عبّر الشعراء عن ولاية البعل على زوجه بألفاظ توحي بالولاية اللازمة لتنظيم الأسرة، وتنفي ولاية السيطرة والاستبداد، فالبعل مَلِكٌ لزوجه في قول الأعشى يصف امرأة(2):
لها مَلِكٌ كان يَخْشَى القِرافَ ... إذا خَالَطَ الظَّنُّ منهُ الضَّميرا
وهو أمير لها في قول الشّماخ يصف امرأة متزوجة(3):
فإنْ تَكُ قد شَطَّتْ وَشَطَ مَزَارُها ... وَجَذَمَ حَبْلَ الوَصْلِ منها أميرُها
(1) الأغاني 18/128
(2) شرح ديوان الأعشى ص 159، وجاء في أساس البلاغة : (ملك): ملك المرأة: تزوجها.
(3) ديوان الشماخ ص 165م وجاء في أساس البلاغة : (أمر) : فلانة مطيعة لأميرها؛ أي: لزوجها.