لَيْسوا بِأكفائنا الكرام ولا ... يُغْنُون من عَيْلَةٍ ولا عَدَمٍ
وهذه الأبيات تشير إلى أن الصريح كان يأنف أن يزوج ابنته إلاّ من الأكفاء، ولكن الأبيات توحي بإمكانية أن يسدّ المالُ ثلمة عدم التكافؤ بالنسب، فالمهلهل يأسف في الأبيات لأمرين: الأول أنّ الزوج غير كفء، والثاني أنّ الزوج لم يدفع له المهر المناسب.
وكان بعض الآباء الصرحاء يأنفون من تزويج بناتهم، فيعضلونهن، ويمنعونهن الأكفاء، ولكن إشعار البنات لآبائهن، بالرغبة في الزواج، كان كافياً لموافقة بعض الآباء عليه، وقد أورد (القالي) في أماليه خبرين أفاد ذلك، وتضمنا أشعاراً توحي برغبة الفتيات بالزواج، وبموافقة الآباء عليه(1).
ولم يملك الرجل الصريح حرية اختيار الزوجة وحده، بل عُرف هذا الحق لبعض النسوة الصريحات اللواتي تمتعن بقدر من الحرية في اختيار شريك الحياة، ومن الشعر الدال على ذلك قول عتبة بن ربيعة يخاطب ابنته هنداً، وقد خطبها سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب(2):
أتاكِ سهيلٌ وابنُ حربٍ وفيهما ... رِضاً لك يا هندَ الهُنود ومَقْنعُ
وما منهما إلا يُعاش بفضِلْهِ ... ومامنهما إلاّ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ
ومامنهما إلا كَريمٌ مُرَزَّأ ... وما منهما إلاَ أَغَرُّ سمَيْدَعُ
فدونكِ فاختاري فأنت بصيرةٌ ... ولا تُخدعي إنَّ المُخادعُ يُخدعُ
ومن الشعر الدال على حرية المرأة في اختيار البعل قول أبي خراش الهذلي(3):
ولولا دِرَاكُ الشَّدِّ قاظَتْ حَلِيلَتي ... تَخَيَّرُ مِنْ خُطَّابِها، وهْي أَيِّمُ
(1) انظر الأمالي 2/105
(2) العقد الفريد 6/87، والمرزّأ : الكريم، يصاب كثير من خيره ، والمسيدع: الشجاع.
(3) شرح أشعار الهذليين 3/1220، ودراك الشدّ: سرعته، وقاظت: أتت عليها قيظه؛ أي: صيفة.