وقد حَبّب إلى الصرحاء تجنّبَ الزواج الداخلي إدراكُهم أن الزواج الداخلي بالقريباتِ يضعف النسل، ومن الشعر الدال على ذلك قول حسان بن ثابت يصف نجابة قتلى المشركين ببدر، وقوتهم(1):
ومُرَنَّحِ فيه الأسِنَّةُ شُرَّعاً ... كالجَفْرِ غير مقابلِ الأعمامِ
من صُلْبِ خِنْدفَ ماجدٌ أعراقُهُ ... نَجَلَتْ به بيضاءُ ذات تمامِ
فقول حسان يدل على إدراكه أن مقابلَ الأعمام، ضعيفٌ ضاو، وأن غير مقابل الأعمام قويّ نجيب وقد عبّر عن ذلك أيضاً أن النابغة الذبياني في قوله في بعض الروايات:
فتىً لم تَلِدْهُ بنتُ أُمِّ قَرِيبَةٍ ... فَيُضْوي ، وقد يُضْوي رَديدٌ الأقارب
وكذلك أشعار أوردها ابن قتيبة (في المعاني الكبير) تظهر إدراك أصحابها أن الزوج الغريبة أنجب من القريبة(2).
وقد جُوبه زواج الصريح بحرّة من خارج نطاق عشيرته الأبوية بمعارضة المغالين في التعصب الذي شجعوا الزواج الدّاخلي، وأنفوا من تزويج بناتهم لغير أبناء عشيرتهم بحجة عدم الكفاءة، ومن الأخبار الدالة على ذلك أن مهلهل بن ربيعة التغلبي لحق بأرض اليمن، فنزل في بني جَنْب بن يزيد بن حرب، فخطب إليه أحدهم ابنته، فَأَبَى أن يفعل، فأَكرهوه، فأنكحها إياه، وقال مهلهل في ذلك(3):
أنكحَها فَقْدُها الأراقمَ في ... جَنْبٍ وكانَ الحِبَاءً مِنْ أَدَمِ
لو بأَبانَيْن جاء يخطبُها ... ضُرِّجَ ما أَنْفُ خاطبٍ بِدَمٍ
أصبحتُ لا مُنْفِساً أصبتُ ولا ... أبْتُ كريماً حُرّاً منَ النَّدَمِ
هانَ على تَغلب بما لقِيت ... أختُ بني المالِكيِنَ من جُشَمِ
(1) ديوان حسان ص 109، والجفر: الجدي، ومن انتفخ لحمه وصارت له كرش.- معجم البلدان (برقة هارب).
(2) انظر ابن قتيبة ، بلا، المعاني الكبير، صححه سالم الكرنكوي، دارا لنهضة الحديثة (مصورة عن طبعة حيدر آباد، 1369هـ)بيروت 1/502-503.
(3) الأغاني 5/55-56، والأرقم: حي من تغلب، وأبانان : موضعان، والمنفس: المال الكثير.