وزواج البعولة عند الصرحاء يُشترط له الكفاءة بين الزوجين في المنزلة الاجتماعية ولعلّ هذا الشرط علاقة بإيثار الصرحاء والزواج من نساء العشيرة على الزواج من خارجها(1)؛ فرجال العشيرة أكفاء لنسائها، لتحقّق شرط رئيس في الكفاءة، وهو النسب المشترك، وقد نُعت نتاج زواج الصرحاء الداخلي بمصطلح (النسب المقابل، أو مقابل الأعمام)، وكان نسب ذلك النتاج مفخرة المغالين في التعصب لجماعتهم الأبوية.
إن زواج الصرحاء الداخلي مظهر اجتماعي متخلّف؛ فهو يعوق تواصل الجماعات الأبوية الصريحة كما يعوق تطور أفرادها الجسمي والعقلي، وقد أدرك بعض الصرحاء ذلك بالخبرة والممارسة، ومنهم غيلان بن سلمة الثقفي الذي أحصن عشراً من نساء العرب في الجاهلية، والذي أوصى أولاده بقوله: (يابني قد أحسنت خدمة أموالكم، وأمجدت أمهاتكم، فلن تزالوا بخير ماغذوتم من كريم، وغذا منكم، فعليكم ببيوتات العرب فإنها معارج الكرم)(2)، وهذه الوصية تلحظ المحاسن المادية والمعنوية لزواج الصرحاء من خارج إطار جماعتهم الأبوية، ولكنها تشترط الكفاءة في المنزلة الاجتماعية ، وقد ذكر صاحب العقد الفريد أخبار عدّة زيجات جاهلية حرص أصحابها على إبراز شأن تكافؤ الزوجين في الحسب والنسب، ومن تلك الأخبار أن زُرَارة بن عُدَس حرّض ابنه لقيطاً على الزواج من بنت قيس بن مسعود الشيباني، فتزوجها، وحين بعث قيس بابنته إلى زوجها، خرج لقيط يتَلقَّاها في الطريق، ومعه ابن عمّهُ قراد، فقال لقيط(3):
هاجت عليكَ ديارُ الحيِّ أشجانَا ... واستقبلُوا من نَوى الجِيرانِ قُربانا
تامت فؤادك، لم تقضِ التي وَعدتْ ... إحدى نساء بني ذُهل بن شيبانا
(1) وكانت بعض النساء تؤثر الزواج من أبناء عشيرتها، انظر ديوان الخنساء ص 25-30، وعالم المرأة في الشعر الجاهلي ص 84-85.
(2) الأغاني 13/228
(3) العقد الفريد 6/84، وتامت فؤادك : استعبدته بالهوى.