وحرصَ بعضُ الصرحاء على مراعاة أواصر قرابة الأصهار، وحدّوا بذلك من غلواء العصبية الأبوية حين وقوع الخلاف بين الأصهار. ومن ذلك أن عباس بن مرداس السُّلَمِيّ تعرض في أبياتٍ له لأخواله بين لحيان من هذيل، فأجابه رجل منهم بشعر اكتفى فيه بالدعاء على عباس، وأعرض عن الإساءة إليه إكراماً لقرابة الصهر، وذلك في قوله(1):
جَزَى اللَّهُ عَبّاساً على نَأْي دارِهِ ... عُقُوقاً كَحَرِّ النارِ يَأْتِي المَعَاشرا
فو اللهِ لولا أنْ يُقَالَ ابنُ أُخْتِهِ ... لَفَقَّرْتُهُ إنّي أُحِبُّ المَفَاقرَا
ودعا هذلي آخر إلى الرفق ببني عليّ الكنانيين، لأن بين هذيل وعليّ قرابة من قبل أمهم، وهم منقطعون إلى هذيل بتلك القرابة، وإن كان في ودّهم مين وقلقَ وذلك في قول الهذلي(2):
رُوَيْداً عَلِياً جُدَّ ما ثَدْيُ أُمِّه ... إلينا، ولكنْ وُدُّهُمْ مُتَنَابرُ
ومن الحرص على حسن العلاقة بين الأخوال والأعمام قول قيس بن رفاعة الأوسي(3):
وَأُنبئتُ أخوالي أرادوا عُمُومَتي ... بِشَنْعَاء فيها ثامِلُ السُّمِّ مُنْقَعا
سَأْرْكَبُها فيكمْ وأُدْعَى مُفَرِّقاً ... فإن شْتُمُ مِنْ بَعْدُ كنتُ مُجَمّعَا
إن قيساً يأبى أن يعتدي أعمامه على أخواله ويتهددهم بتفريق كلمتهم، ولكنه لا يغلق نوافذ التوحد والسلام إن انتفى ظلم أعمامه لأخواله(4).
***
(1) شرح أشعار الهذليين 2/783، وَفّقرته: ذكرت عيوبه.
(2) اللسان (جدد)، ورويد عليا: ارفق بهم، وجدّ ماثدي: مازائدة.
(3) الوحشيات ص 60، وثامل السم: أرادَ سُّماً قديم العهد.
(4) هذا يخالف ماذهب إليه د. إحسان النص في حديثه عن تعارض العصبيتين ، فقد رأى أن الغلبة تكون لعصبية الرجل لقوم أبيه، وأن عصبيته لعشيرة أمه تنقلب بغضاً وكراهية وعداء سافراً، (انظر العصبية القبلية ص 112).