وكان لأمومة الصريح مظهر إيجابي تقدمي تجلى في إقامة صلات حسنة بين جماعات أبوية متباعدة، فغدت الأمومة وسيلة تقارب بين تلك الجماعات ، ولكن واقع الحياة الجاهلية أظهر ما يناقض ذلك ويعوق تقارب تلك الجماعات، ويهدّد توازن نفسية الصريح.
***
4- التَّعصُّب للأبوّة على الأمومة:
إن انتساب الصريح إلى أمه وأخواله خلا من مظاهر التعصب المقيت التي لحظناها في انتسابه إلى جماعته الأبوية، وكان انتساب الصرحاء إلى أمهاتهم وأخوالهم هو أحد مظاهر مقاومة الإيغال في التعصب للجماعة الأبوية، ولكن المغالين في التعصب قاوموا نسمات الانفتاح؛ فأعلوا شأن تقارب نسبي الأبوة والأمومة، وأظهروا تعصباً لنسبهم الأبوي على نسبهم من جهة أمهاتهم وأخوالهم.
وقد عُرِفَ مصطلح (مقابل الأعمام) في الجاهلية، ويراد به الصريح الذي أبوه، وأمّه من قبيلة واحدة(1)، وكان تمتع الصريح بهذه الصفة يكسبه منزلة متَمّيزة لدى المغالين في التعصب للنسب من أبناء جماعته الأبوية؛ فقد فخر حسان بن ثابت في الجاهلية بسادة قومه، ذوي النسب المقابل الأعمام(2):
وكائنْ ترى من سَيِّدِ ذي مهابَةٍ ... أبوه أَبُونا ، وابنُ أختٍ مَكَرَّما
وَلَدْنا بني العَنْقَاءِ وابني مُحَرّقٍ ... فأكرمْ بنا خالاً وأَكْرمْ بنا ابْنَمَا
واستشهد صاحب (اللسان) للنسب المقابل يقول شاعر يفتخر(3) :
إن كُنْتَ في بكْرٍ تَمُتُّ خُؤُولةً ... فَأنا المُقابِلُ في ذَوِي الأعمامِ
(1) انظر ديوان حسان ص 109
(2) المصدر السابق ص 129-130 ، وانظر ديوان شعر حاتم 181.
(3) اللسان: (قبل)، وامتدح المرقش الأكبر ملكاً غسانياً بأنه مقابل، كريم الأبوين (انظر شرح اختيارات المفضل 2/1062-1063).