لِكلٍّ نَجِيبٍ مُنْجِبٍ زَخَرَتْ بهِ ... مُهَذْبَةٌ أَعْراقُها لم تُرْهَقِ
فالنسب الأبوي لا يكفي وحده لإنجاب الأبناء الكرام بل لا بدّ له من أمومة طيبة طاهرة.
وكان ارتباط بعض القبائل بنسب أبوة وأمومة مشترك ملاذاً تؤول إليه إن وقع بينها خلاف، يتذكّره العقلاء منهم، فيدعون إلى مراعاته، وإلى وأدِ الخلافات إجلالاً للقرابة النسبية التي تربط بينهم، ولهم في ذلك أشعار تؤكد إعلاءهم لشأن الاشتراك في رابطتي النسب الأبوي والأميّ((1)).
لقد تمتعت الأم بمنزلة لا تقلّ عن منزلة الأب عند أبنائها لأنها أحد أصلين صريحين لا يتحقق النسب الصريح للأبناء إلاّ بهما معاً، ولذلك كانت الأم تشارك في صنع أحداث عامة مهمة، بدفع أبنائها إلى المشاركة فيها؛ فدريد بن الصمّة حضته أمّه بشعر لها على الطلب بثأر أخيه عبد الله، فقال يخاطب أمّه((2)):
ثَكِلْتِ دُرَيداً إنْ أتَتْ لكِ شَتوةٌ ... سِوى هذه حتّى تَدُورَ الدّوائِرُ
وشَيَّبَ رأسي قَبْلَ حِين مَشِيبهِ ... بُكاؤُكِ عَبْدَ اللّهِ والقلبُ طائرُ
إذا أنا حاذَرْتُ المَنِيّةَ بَعْدَهُ ... فلا وألَتْ نَفْسٌ عليها أحاذِرُ
وكان بعض الصرحاء لا يجدون غضاضة في تقديم الأمومة على الأبوة؛ فعميرة بن جُعَل التغلبي، هجا قومه، فاستثنى الأمهات، وردّ مخازي قومه إلى آبائهم، وذلك في قوله((3)):
كَسَا الله حَيَّيْ تَغْلِبَ بنةِ وائلٍ ... من اللُؤْمِ أظفاراً بَطِيئاً نُصُولُها
فَمَا بهمُ ألاّ يكُونُوا طَرُوقَةً ... هِجاناً، ولكنْ عَفّرَتْها فُحُولُها
ترى الحاصنَ الغَرّاءَ منهمْ لِشَارِفٍ ... أخِي سَلّةٍ، قَدْ كانَ مِنْهُ سَلِيلُها
(1) -انظر شرح ديوان الأعشى ص265، والمعاني الكبير 1/528.
(2) -ديوان دريد ص80.
(3) -شرح اختيارات المفضل 3/1144. والطروقة: الإناث. وعَفّرتها: ألصقتها بالعَفَرِ، وهو التراب. والشارف: المسنّ من الإبل. والسّلة: السّرقة.