ومن تقدير الأمومة ذكرها باعتبارها رابطة نسب بين الأخوة. وقد كثر ذلك في شعر الرثاء كقول أبي خراش الهذلي يرثي إخوته((1)):
فَقَدْتُ بَني لُبنى فلمّا فَقَدْتُهُمْ ... صَبَرْتُ، ولم أقْطَعْ عَلَيْهِمْ أَبَاجِلي
وقول متمم بن نويرة اليربوعي يرثي أخاه مالكاً((2)):
وَفَقْدُ بني أمِّ تَوَلّوا فلم أكُنْ ... خلافهُم أنْ أستكِينَ فأخضعا
ولعل كثرة الانتساب إلى الأمهات في مواطن رثاء الإخوة يرتبط بذكريات طفولتهم، وبإحساسهم بعظمة رابطة الأمومة التي أسهمت في وجود سمات وقيم ومشتركة، بين الإخوة، وقد عبر دريد بن الصمة عن مثل ذلك في قوله يرثي أخاه((3)):
أعَاذِلتي كلُّ امرئٍ وابنُ أُمّهِ ... مَتَاعٌ كَزَادِ الراكبِ المتزَوِّدِ
أخي أَرْضَعَتْني أُمُهُ بِلِبَانِها ... بِثَدْي صَفَاءٍ بَيْنَنَا لم يُجَدَّدِ
وثمة صرحاء جمعتهم رابطة الأمومة وحدها، فكانت كافية للتواصل والتآزر والتعاطف، فقد رثت سعدى بنت الشمردل الجهنية أخاها لأمها أسعد بن مجدعة الهذلي((4))، ورثت الخرنق بنت بدر أخاها لأمها، طرفة بن العبد((5))، ورثى أعشى باهلة أخاه لأمّه، المنتشر بن وهب((6)).
ولعظمة نسب الأمومة كان الصرحاء يذمون من يقصّر في مؤازرة شقيقه، ومن ذلك قول حسان بن ثابت يهجو الحارث بن هشام المخزومي، وقد فرّ يوم بدر عن أخيه أبي جهل((7)):
هَلاّ عَطَفْتَ على ابْنِ أُمِّكَ إذ ثَوَى ... قَعِصِ الأَسِنّةِ ضائِعَ الأسْلاَبِ
(1) -شرح أشعار الهذليين 3/1195. وبنو لبنى: إخوته.
(2) -جمهرة أشعار العرب ص294. وانظر مثل ذلك عند النمر بن تولب، 1969م، شعر النمر ابن تولب، صنعة الدكتور نوري حمودي القيسي، مطبعة المعارف، بغداد، ص43.
(3) -ديوان دريد ص46-48. ولم يجدد، لم يقطع.
(4) -انظر الأصمعيات ص102-103.
(5) -انظر ديوان الخرنق ص2.
(6) -انظر الأصمعيات ص87-92.
(7) -ديوان حسان ص331.