وهجا حسان بن ثابت أبا البختريّ الأسديّ بأمّه العبدريّة التي قُطعت يدها في الجاهلية لسرقة سرقتها، في قوله((1)):
وما طلَعَتْ شَمْسُ النّهار ولا بَدَتْ ... عَلَيْكَ بِمَجْدٍ يا بن مَقْطُوعَةِ اليَدِ
لقد اعتد الصرحاء بالأمهات اللواتي تلازم فيهن الحسب والنسب الثاقب، وبرثت أرحامهن من الرجس، فكنّ رمزاً للطهارة المشرفة التي يعتز بها الأبناء والأحفاد، ويعظمونها تعظيماً جليلاً، وليس أدلّ على ذلك من التفدية بالأمّ والاستغاثة بها، وهما مظهران من مظاهر الإقرار بالمنزلة الرفيعة للأمومة؛ فالصريح كان يفدّي ما يعظمه بأمّه كقول أبي قيس صيفيّ بن الأسلت يمدح قوماً((2)):
ألا فِدّى لَهُمُ أُميّ وما وَلَدَتْ ... غَداةَ يَمْشون إِرْقَالَ المصاعيبِ
وقول أوس بن حجر يمدح فضالة بن كلدة((3)):
وَفَدتْ أمّي وما قَدْ وَلَدَتْ ... غَيْرَ مَفْقُودٍ فَضَالَ بن كَلَدْ
وكان الصريح يستغيث بأمّه، ومن أمثال العرب (إلى أمّه يلهف اللهفان... وبأمّه يستغيث اللّهف، يقال ذلك لمن اضطّر فاستغاث بأهل ثقته((4))؛ فكأن الأم أضحت في خلَد الصريح رمزاً للأمان، ومعقلاً يلوذ به الابن إن عضّه الزمان بنابه. ومن الشعر الدال على ذلك قول الأسود بن يعفر يرثي صديقاً له((5)):
يا لهفَ أُمّيَ إذْ أَوْدَى وفارَقني ... أودى ابنُ سَلْمَى نَقِيَّ العِرْضِ مَرْمُوقا
(1) -ديوان حسان ص156.
(2) -أبو قيس صيفيّ بن الأسلت، 1973م، ديوان أبي قيس صيفيّ بن الأسلت الأوسي الجاهلي دراسة جمع تحقيق دكتور حسن محمد باجودة، مكتبة دار التراث، القاهرة، ص7 والإرقال: الإسراع في المشي، والمصاعيب: جمع مصعب، وهو الفحل الذي لم يركب، فصار صَعْباً.
(3) -ديوان أوس ص19. وانظر ديوان العباس ص113.
(4) -اللسان: (لهف)
(5) -الأغاني 13/28. والمرموق: المنظور إليه.