فَأَرْسَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَُفَرِّقَنِّ بَيْنَهُمَا وَقَالَ مُعَاوِيَةُ مَا كُنْت لِأُفَرِّقَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ قَالَ فَأَتَيَاهُمَا فَوَجَدَاهُمَا قَدْ شَدَّا عَلَيْهِمَا أَثْوَابَهُمَا وَأَصْلَحَا أَمْرَهُمَا . وَهَذَا يُشْبِهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَلاَ تَرَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ ذَهَبَا وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ أُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَمُعَاوِيَةُ يَقُولُ لاَ أُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا وَجَدَاهُمَا قَدْ اصْطَلَحَا رَجَعَا وَذَلِكَ أَنَّ اصْطِلاَحَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَوْ جَاءَهُمَا فَسَخَا وِكَالَتَهُمَا فَرَجَعَا وَلَمْ تَعُدْ الْمَرْأَةُ وَلاَ الرَّجُلُ إلَى الشِّقَاقِ عَلِمْنَاهُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلَوْ عَادَ الشِّقَاقُ عَادَا لِلْحَكَمَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ الْأُولَى أَوْلَى مِنْ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ شَأْنَهُمَا بَعْدَ مَرَّةٍ وَمَرَّتَيْنِ وَأَكْثَرُ وَاحِدٍ فِي الْحَكَمَيْنِ . وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الآيَةِ أَنْ يَجُوزَ عَلَى الزَّوْجَيْنِ وَكَالَةُ الْحَكَمَيْنِ فِي الْفُرْقَةِ وَالِاجْتِمَاعِ بِالتَّفْوِيضِ إلَيْهِمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالاَتِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلْوَكَالاَتِ أَصْلاً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ الْحُكْمَ دُونَهُ مَنْ لَيْسَ يَلِيه إلَّا بِتَوْلِيَتِهِ إيَّاهُ وَأَنْ يُوَلُّوا الْحَكَمَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ ( قَالَ ) وَلَوْ فَوَّضْنَا مَعَ الْخُلْعِ وَالْفُرْقَةِ إلَى الْحَكَمَيْنِ الْأَخْذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَانَ عَلَى الْحَكَمَيْنِ الِاجْتِهَادُ إنْ رَأَيَا الْجَمْعَ فِي الْأَخْذِ لِأَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ فِيمَا يَرَيَانِهِ صَلاَحًا لَهُمَا إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُمَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَخْلاَقِهِمَا وَمَذَاهِبِهِمَا أَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِأَمْرِهِمَا وَالْأَخْذُ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ وَكَانَ تَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَيْهِمَا مِثْلُ الْفُرْقَةِ أَوْ أَوْلَى مِنْ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا فَإِذَا جَازَتْ تَوْلِيَتُهُمَا لَهُمَا الْفُرْقَةَ جَازَ الْأَخْذُ بِتَوْلِيَتِهِمَا وَعَلَى السُّلْطَانِ إنْ لَمْ يَرْضَيَا بِحَكَمَيْنِ عِنْدِي أَنْ لاَ يُجِيزَهُمَا عَلَى حَكَمَيْنِ وَأَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمَا فَيَأْخُذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَقَسْمٍ وَيُجْبِرُ الْمَرْأَةَ عَلَى مَا عَلَيْهَا وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ وَلَهُ أَنْ يُعَاقِبَ أَيَّهُمَا رَأَى إنْ امْتَنَعَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَوْجِبُ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ يُجْبِرُهُمَا السُّلْطَانُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ كَانَ مَذْهَبًا .@