ويبدو أن لا شيء يخرج عن المألوف في هذا السرد، لولا عبارة مقتضبة يضيفها ساسون: "في هذا الشأن جاء ذكر اسم السير موشي مونتيفيوري، الذي قدم دعمه لهذا الموضوع". وهذا الاسم يرتبط بمشاريع مبكرة للاستعمار اليهودي في فلسطين، ويتكرر في حالات مشابهة، كما في "قبة راحيل" شمال بيت لحم، المقام الإسلامي الذي لم يكن له علاقة باليهود إلا بعد أن "تدخل" مونتيفيوري عام 1841 لترميمه وإضافة غرفة في الجهة الشرقية. والمقام، كالكثير من المقامات في فلسطين، يعود بقبته المألوفة إلى الفترة العثمانية، وفي جداره الجنوبي محراب. لكن هذا كله لم يمنع السلطات الإسرائيلية من وضع يدها على الموقع بعد عام 1967 وتحويله إلى كنيس ليصبح فيما بعد، وحتى اليوم، شوكة في وسط الامتداد الطبيعي بين منطقتي القدس وبيت لحم. ومونتيفيوري يقف أيضاً وراء تأسيس واحدة من أوائل المستوطنات اليهودية خارج أسوار القدس، وشكلت عملياً نواة التوسع الاستعماري في القدس الغربية. وقد تمكن مونتيفيوري عام 1855 من شراء قطعة الأرض الواقعة إلى الجهة الغربية من بركة السلطان بعد أن حصل من الحكومة العثمانية على "إعفاء خاص" لشراء الأرض كأجنبي، وهو ما يشير إلى مدى التأثير الذي كان يملكه مونتيفيوري على الحكومة العثمانية. المؤرخ الإسرائيلي بن-أرييه (1) ، يعرض تاريخ القدس الحديثة ليبرز الوجود اليهودي في المدينة، غير أن ما يكتبه هذا "المؤرخ" يكشف بحد ذاته اصطناع هذا التاريخ على حساب السكان المحليين، ويدل بما لا يقبل الشك أن جذور الاستعمار الصهيوني لفلسطين تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر على الأقل.
(1) (Yehoshua Ben-Arieh, Jerusalem in the 19th Century: Emergence of the New City. Jerusalem/New York: Yad Izhak Ben-Zvi/St. Martin’s Press, 1986)، ص 74.