إن الغاية التى يسعى إليها كل عاقل هي السعادة الحقة، وقد شرعت التكاليف الإسلامية لسوق الإنسان إليها، ويرى أن إعجاب المرء بنفسه سبب اقتراف كل شر والابتعاد عن كل خير ودليله على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37] ويسمي هذه الآية آية الأخلاق، حيث سيتبين لنا سبب التسمية.
فالعجب هو أصل الهلاك لأنه سبب الكبر، والكبر يؤدي إلى احتقار الناس فلا يعتقد المتكبر لهم حرمة ولم يراقب فيهم إلًا ولا ذمة، ويصبح من أظلم الظالمين (وإبليس اللعين- نعوذ بالله تعالى منه - كان أصل هلاكه من عجبه بنفسه، وأنه خلق من نار، وأنه خير من آدم، فتكبر عليه فكان من الظالمين الهالكين) (1)، ولذا فإن ترك العجب شرط في حسن وكمال الأخلاق، لأنه أساس الرذائل والمانع من اكتساب الفضائل، لأن المرء إن لم يكن معجبًا بنفسه، فإن تلك الجبلة تدعوه إلى التخلق بمحاسن الأخلاق، والتنزه عن نقائصها (وإذا رغب في الكمال كانت داعية فلا يزال بين التذكيرات الإلهية والجبلة الإنسانية الخلقية يتهذب ويتشذب حتى يبلغ ما قدر له من كمال. ولهذه المعاني التي تتصل بتفسير هذه الآية الكريمة - وهو أصول في علم الأخلاق - عنون عليها بآية الأخلاق) (2).
ثم يرى في الآية التى تعقبها تأكيد الأوامر والنواهي المتقدمة بطريق الإيجاز في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38]، فالقبائح المنهي عنها فيما تقدمها من آيات قبيحة لذاتها ولنهي الله تعالى عنها، إذ أنها مبغوضة له تعالى ويعاقب عليها ويسخط على مرتكبها، فنفهم من ذلك أوامر الشرع ونواهيه على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة، فإن الله سبحانه لا يأمر إلا بحسن ولا ينهي إلا عن قبيح، وفي ذلك ما يحملنا على الامتثال والترغيب في الحسن لأن النفس تميل إليه وتنفر من القبيح وفي قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾
(1) التفسير، ج 1 ص 277.
(2) نفسه ص 277.