قلنا في بداية هذا الحديث إن الإمام ابن باديس يرى أنه ينبغي البدء بالإنسان في منهجه الإصلاحي (والإصلاح هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من فساد) (1).
ومن هذه العبارة، نفهم كيف سعى إلى بيان طريقته في التربية التي رأى أنه لابد فيها من الشرع، وأنها (لا تكون مجدية إلا على أساس تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق) (2)، يقول الأستاذ الدكتور قاسم (ومن قبل حاول أوجست كونت مثل هذه النهضة لكنه فصل الأخلاق عن الدين وحاول بعض أتباع مدرسته أن ينشئ الأخلاق على أساس من العلم لا من الدين فلم يفلح لقد ظنت المدرسة الفرنسية أن المجتمع هو الذي يفرض القيم الأخلاقية فرضًا، ورأى ابن باديس، ومثله جمال الدين الأفغاني أن الأخلاق هي التي تنبع من أعمال الضمير المتدين لا من قهر المجتمع، لأن صوت الضمير أقوى من مئات القوانين) (3).
وفي تفسير ابن باديس لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96] يعني أن الإيمان والتقوى هما العلاج الوحيد للمسلمين. فليبدءوا من الإيمان بتطهير عقائدهم من الشرك وأخلاقهم من الفساد وأعمالهم من المخالفات (فبدوام السعي واستمراره يأتي ذلك القليل من الإصلاح على صرح الفساد العظيم من أصله، وليكن دليلنا في ذلك وإمامنا كتاب ربنا وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وسيرة صالح سلفنا) (4)، والدين كله عمل صالح وتوحيد خالص (5).
هذا هو الدليل الصحيح الذي ينبغي الاسترشاد به في التربية والإصلاح والنهوض بالأمة الإسلامية، وليست المدنية الغربية المادية في نهجها وغايتها ونتائجها، إذ تجعل القوة فوق الحق،
(1) نفسه ج 1 ص 231.
(2) الإمام عبد الحميد بن باديس د. محمود قاسم ص 51.
(3) نفسه ص 51.
(4) التفسير ج 1 ص 300.
(5) نفسه ص 365.