وانحطاطه برقي نفسه وانحطاطها. والحديث ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)). ويمضي معلقًا على هذا الحديث فيقول (وليس المقصود من القلب مادته وصورته، وإنما المقصود النفس الإنسانية المرتبطة به، وللنفس ارتباط بالبدن كله، ولكن القلب عضو رئيسي في البدن ومبعث دورته الدموية على قيامه بوظيفته تتوقف على صلاحية البدن لارتباط النفس به فكان حقيقيًا لأن يعبر به عن النفس على طريقة المجاز) (1).
والحياة الأخلاقية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقلب بمعنى النفس، فإن الصلاح يتم بالعقائد الحقة والأخلاق الفاضلة - أي بصحة العلم وصحة الإرادة - وتبنى الأعمال على العقائد والأخلاق، ولذا فعلينا في رأيه أن نوجه الاهتمام الأعظم لتربية أنفسنا وتربية غيرنا ووسيلتنا (تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق، فالباطن أساس الظاهر) (2).
وأشار الإمام إلى الغرائز دون تفصيل، ففي تفسيره لقولي الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: 83] يذكر أنه في النوع الإنساني غرائز غالبة عليه لا يسلم منها إلا من عصمه الله أو وفق إلى الإيمان والعمل الصالح، ورأى أن في هذه الآية بيان الإعراض عن النعمة واليأس من الرحمة (فليحذر المؤمن من هذين الوصفين الذميمين والعمل على اجتنابهما واجتثاثهما من أصلهما (3)، وقد أوضح القرآن الكريم بيانًا لكثير من الغرائز للتحذير من شرها والتنبيه على سوء مغبتها، منها أيضًا محبة الإنسان نفسه. والناحية النافعة في هذه المحبة هو جلب للنفس حاجتها ودفع عنها ما يضرها والسعي في تكميلها، ولكنها من ناحية أخرى هي مدخل من أعظم مداخل الشيطان، فيحسن للإنسان أعماله (وهو لمحبة نفسه يحب أعماله ويغتر بها فيذهب مع هواه في تلك اللأعمال على غير
(1) نفسه ج 1 ص 337.
(2) نفسه ج 1 ص 339.
(3) نفسه ج 1 ص 337.