خَطَأٌ وَالصَّوَابُ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَهَكَذَا , وَأَمَّا مَا لَا يَسَعُ الْخِلَافُ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُصِيبَ بَعْضٌ , وَقِيلَ أَيْضًا فِيمَا يَسَعُ الْخِلَافُ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَ بَعْضٌ , وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ , وَهُوَ قَوْلُنَا وَقَوْلُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ , قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَعَ الِاخْتِلَافِ لَا بُدَّ فِي الْأُمَّةِ مِنْ عَالِمٍ مُوَافِقٍ الْحَقَّ ا هـ , وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لَا يُنَاقِضُ حَدِيثَ: ﴿لَا تَتَّفِقُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ﴾ , لِأَنَّ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ لَيْسَتْ بِضَلَالَةٍ وَجَازَ (الشَّكُّ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ مَعًا لِمَنْ لَمْ يَتَقَوَّلْ فِيهَا) وَلَوْ تَنَاقَضَتْ يَشُكُّ أَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّحْرِيمِ مُحِقٌّ عِنْدَ اللَّهِ وَيَشُكُّ أَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّحْلِيلِ مُحِقٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , وَكَذَا مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ فَرْضٌ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ غَيْرُ فَرْضٍ , وَقَوْلُهُ: لِمَنْ لَمْ يَتَقَوَّلْ فِيهَا , مُتَعَلِّقٌ بِجَوَازٍ , وَأَرَادَ بِالتَّقَوُّلِ قَوْلَ مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ تَكَلُّفٌ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنَّهَا كُلَّهَا حَقٌّ عَلَى الشَّكِّ وَيُخْطِئُ مَنْ قَالَ: الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ فِي وَاحِدٍ وَذَلِكَ الشَّكُّ جَائِزٌ مَا لَمْ يَاخُذْ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ فِي وَاحِدٍ , وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَشُكَّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ كُلَّهُمْ مُحِقُّونَ فِي أَقْوَالِهِمْ مَا لَمْ يَتَقَوَّلْ مَا لَا يَجُوزُ أَوْ يَاخُذُ أَنَّ الْمُحِقَّ وَاحِدٌ عِنْدَ اللَّهِ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ.
(وَلَا يُظَنُّ بِمُسْلِمٍ) حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ , مَعْصُومٍ أَوْ غَيْرِ مَعْصُومٍ (سُوءٌ) صَغِيرَةٌ أَوْ نِفَاقٌ أَوْ شِرْكٌ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ أَوْ اقْتِصَارٍ فِي اجْتِهَادٍ لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ﴾ الْآيَةَ. ﴿لَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَةَ , وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: ﴿إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ , فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ﴾ , وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْحَزْمِ وَالْغَدْرِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِالنَّاسِ مُطْلَقًا غَيْرَ الْمَعْصُومِ فَمَعْنَاهُ عَدَمُ الِاسْتِيثَاقِ بِالنَّاسِ وَتَرْكُ التَّحَرُّزِ وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَنْ يَظُنُّ خَيْرًا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي الْمَكْرِ بِهِ فَمَعَ ظَنِّهِ الْخَيْرَ بِالْمُسْلِمِ يَعْلَمُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ أَنْ يَتَحَوَّلَ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ فَيُعْطِيهِ حُقُوقَهُ وَيَعْمَلُ مَعَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَرَادَ بِهِ سُوءًا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِ. قَالَ بَعْضٌ: أَشَدُّ عَدَاوَةً لَكَ أَقْرَبُ رَجُلٍ وَثِقْتَ بِهِ فَخُذْ حِذْرَكَ مِنْ النَّاسِ وَاصْحَبْهُمْ بِالْخَدِيعَةِ وَالْمَكْرِ , أَيْ بِصِفَةٍ لَوْ أَرَادُوا الْمَكْرَ لَكَ وَالْخَدِيعَةَ لَوَجَدُوكَ قَدْ أَعْدَدْتَ لَهُمْ مَا لَا يَصِلُونَ مَعَهُ إلَيْكَ , قَالَ: وَلَا تَرْكَنْ إلَى أَحَدٍ , فَمَنْ وَثِقْتَ بِهِ أَوْ ظَنَنْتَ أَنَّهُ صَدِيقُكَ كَانَ أَشَدَّ عَدَاوَةٍ لَكَ مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ , وَيَدُلُّ لِلتَّاوِيلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم ﴿أَنَّهُ كَانَ يُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ وَيَحْذَرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَلَى شَرٍّ لَأَحَدٍ وَلَا ختلة﴾ , قَالَ صَاحِبُ لَامِيَّةِ الْعَجَمِ ": أَعْدَى عَدُوِّكَ أَدْنَى مَنْ وَثِقْتَ بِهِ فَحَاذِرِ النَّاسَ وَاصْحَبْهُمْ عَلَى خَتْلِ فَإِنَّمَا رَجُلُ الدُّنْيَا وَوَاحِدُهَا مَنْ لَا يُعَوِّلُ فِي الدُّنْيَا عَلَى رَجُلِ وَحُسْنُ ظَنِّكَ بِالْأَيَّامِ مُعْجِزَةٌ فَظُنَّ شَرًّا وَكُنْ مِنْهَا عَلَى وَجَلِ قَالَ الشَّارِحُ: أَشَدُّ عَدَاوَةً لَكَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِكَ هُوَ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْكَ مِنْ أَصْدِقَائِكَ وَأَدْنَى مَنْ وَثِقْتَ بِهِ مِنْ أَحْبَابِكَ وَمَنْ أَفْشَيْتَ إلَيْهِ سِرَّكَ مِنْ خِلَّانِكَ , فَخُذْ حَذَرَكَ مِنْ النَّاسِ كَافَّةً , وَاحْتَرِزْ مِنْ الْعَامَّةِ مِنْهُمْ وَالْخَاصَّةِ وَصَاحِبْهُمْ بِحُسْنِ الْمُدَارَاةِ وَالْخُلُقِ الْحَسَنِ وَالرِّفْقِ , وَدَاخِلْهُمْ مُخَادِعًا لَهُمْ حَامِلًا لَهُمْ بِأَخْلَاقِهِمْ مُتَّبِعًا لِأَحْوَالِهِمْ , وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِخِلْبِ لِسَانٍ أَوْ تَثِقَ بِقَلْبِ إنْسَانٍ أَوْ تَرْكَنَ إلَى صَدَاقَةِ صِدِّيقٍ أَوْ شقاشق شَقِيقٍ , أَوْ تُشَيِّمَ صَفَحَاتِ الْأَخِلَّاءِ فَإِنَّهَا تَهْمِي بِكَدِرٍ , أَوْ تَنْخَدِعَ بِنَسِيمِ أَنْفَاسِ الْأَعْدَاءِ فَإِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ , وَعَلَيْكَ بِالِاحْتِرَاسِ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِكَ وَالِاحْتِرَازِ وَلَوْ مِنْ نَفْسِكَ. قَالَ أَبُو فِرَاسٍ: وَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتَهُمْ وَلَا الدَّهْرُ بِالدَّهْرِ الَّذِي كُنْت تَعْرِفُ وَيُقَالُ: كُلُّ قَرِيبٍ لَكَ عَلَيْكَ رَقِيبٌ , يَوَدُّ أَنْ تُقْبَرَ عَنْ قَرِيبٍ , وَلَدُكَ يَقُولُ: مَالُكَ إرْثِي , وَأَخُوكَ يَقُولُ: مَالُكَ إرْثِي , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ , وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: ﴿الْحَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ بِالنَّاسِ﴾ , أَيْ عَدَمُ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ , قَالَ الشَّاعِرُ: مَنْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِأَحْبَابِهِ كَرَمًا تَجَرَّعَ الْهَمَّ مِنْهُمْ بِلَا كَاسِ وَقِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: مَا بَلَغَ مِنْ عَقْلِكَ؟ قَالَ: مَا وَثِقْتُ بِأَحَدٍ قَطُّ , قَالَ الشَّاعِرُ: لَا تَرْكَنَنَّ إلَى هَذَا